كيف تسبب تقرير «افتراضي تخيّلي» في انهيار الأسواق؟

كيف تسبب تقرير «افتراضي تخيّلي» في انهيار الأسواق؟

في سوقٍ تُهيمن عليه أسهم التكنولوجيا، كان الناس في الأصل يشعرون بالقلق وعدم الاطمئنان تجاه آفاق الذكاء الاصطناعي. وأي حركة بسيطة في الرياح يمكن أن تثير تقلبات عنيفة. لكن ربما لا يوجد ما يوضح حساسية السوق أكثر من هذه الحادثة: بحسب ما ذكرته صحيفة «وول ستريت جورنال» في 23 شباط، شهد مؤشر داو جونز هذا الأسبوع هبوطاً حاداً بلغ 800 نقطة. وكان أحد الأسباب لذلك في الواقع «فرضية تخيّلية» مكوّنة من 7000 كلمة.

بقلم: مرقب العقل

هذا التقرير جاء من مؤسسة الأبحاث المستقلة Citrini Research. وما إن نُشر حتى انتشر بسرعة على نطاق واسع، وضرب مباشرة أحدث مخاوف السوق بشأن الذكاء الاصطناعي. يرسم التقرير مستقبلاً قاتماً: التحول التكنولوجي يُطلق «سباقاً نحو القاع» في وظائف المعرفة لدى الموظفين ذوي الياقات البيضاء. ويطفو سؤال كبير وأساسي إلى السطح: إذا كان الذكاء الاصطناعي جيداً للاقتصاد أكثر مما ينبغي، حتى يصبح في النهاية خبراً سيئاً، فماذا
سيحدث؟ ستقترب «أزمة ذكاء عالمية».

هذه المذكرة الاقتصادية الكلية، التي تقول: إنها كُتبت بتاريخ «30 حزيران 2028»، تمثل دفعاً لهذا السؤال إلى أقصى حد ممكن. إنها تجربة فكرية، ومحورها مفارقة عميقة: إذا تحققت جميع التوقعات المتفائلة بشأن الذكاء الاصطناعي، وانفجرت إنتاجية الذكاء الاصطناعي بشكل أُسّي، فإن اقتصاداً يتمحور حول العمل البشري قد لا يستقبل ذلك كنعمة، بل كانهيارٍ انكماشي غير مسبوق.
وبدلاً من أن تكون تنبؤاً، فهي أقرب إلى عملية نمذجة. إنها تحاول استكشاف احتمالٍ، غالباً ما يتم تجاهله في السرديات السائدة: أن الذكاء الاصطناعي قد لا يجلب «التدمير الخلاق» الذي يعقبه تجدد، بل دوامة سلبية ذاتية التعزيز لا تمتلك فرامل طبيعية.
اندفاع بثلاث مراحل
ينظر التقرير من منظور «حزيران 2028» إلى الوراء، ويفكك مسار انهيار الاقتصاد الأمريكي خلال العامين الماضيين طبقة بعد طبقة. تبدو هذه الأزمة كأنها صاروخ بثلاث مراحل، حيث تدفع كل مرحلة النظام إلى هاوية أعمق.
المرحلة الأولى: هي مرحلة «وهم الإنتاجية والناتج المحلي الإجمالي الشبح»، وتمتد تقريباً من نهاية 2025 إلى نهاية 2026. كانت نقطة الانفجار في أواخر 2025. فقد حققت أدوات البرمجة المعتمدة على الوسطاء الأذكياء قفزة نوعية. أصبح بإمكان مُطوّر عادي- وبمساعدة الذكاء الاصطناعي- أن يعيد خلال بضعة أسابيع بناء الوظائف الأساسية لمنتج SaaS متوسط الحجم «في عالم الاقتصاد الرقمي ظهرت طريقة غريبة وذكية لبيع البرمجيات. بدلاً من أن تشتري البرنامج مرة واحدة وتثبّته على حاسوبك، تقوم باستئجاره عبر الإنترنت. هذه الفكرة هي جوهر ما يسمّى SaaS».
بدأ أساس صناعة SaaS يهتز. لم يستطع مدراء المعلومات في الشركات منع أنفسهم من طرح سؤال: «لماذا لا نزال ندفع 500 ألف دولار سنوياً لشراء ترخيص؟ أليس بإمكان فريقنا الداخلي أن يصنعه باستخدام الذكاء الاصطناعي خلال بضعة أشهر؟»، وهكذا بدأت آلية الانتقال.
بدءاً بأثرى 500 شركة، وصولاً إلى الشركات الناشئة، اتخذت جميع الشركات قراراً بدا في ذلك الوقت «عقلانياً» للغاية: تسريح الموظفين، واستثمار الرواتب التي تم توفيرها في الذكاء الاصطناعي. شركة ServiceNow مثال نموذجي. فلكي تتعامل مع صدمة الذكاء الاصطناعي، أصبحت نفسها «متبنية متطرفة» للذكاء الاصطناعي: سرّحت 15% من الموظفين، واستخدمت الأموال الموفَّرة لشراء أدوات ذكاء اصطناعي، يمكنها أن تحل محل المزيد من العمل البشري.
لكن السوق أساء قراءة هذه الإشارات تماماً. في أوائل 2026 كانت تسريحات الموظفين من أصحاب الياقات البيضاء قد بدأت، لكن سوق الأسهم «حيث اقترب مؤشر S&P من 8000 نقطة، وتجاوز مؤشر ناسداك 30000 نقطة» وأرباح الشركات «التي ارتفعت بسبب خفض التكاليف» سجلت مستويات قياسية جديدة. تعامل السوق مع الذكاء الاصطناعي باعتباره مضخماً للأرباح، وتجاهل تماماً الانهيار الصامت الذي كان يحدث في جانب الطلب.
ابتكر الاقتصاديون مصطلحاً جديداً: «الناتج المحلي الإجمالي الشبح». تُظهر بيانات الناتج المحلي الإجمالي، أن الإنتاج المدفوع بعناقيد الذكاء الاصطناعي ينمو بقوة، لكن هذه الثروة لم تتدفق إلى العمال، بل دخلت بالكامل في جيوب «مالكي القدرة الحاسوبية». الإنتاج موجود إحصائياً، لكنه في الدورة الاقتصادية الحقيقية التي تتمحور حول البشر أصبح «شبحياً». بدأت سرعة دوران النقود تتباطأ، لأن الآلات لا تستهلك. وهذه حقيقة غير مريحة.
المرحلة الثانية: هي مرحلة «انصهار طبقة الوسطاء ودوامة الاستبدال الذكي»، وتمتد من نهاية 2026 حتى نهاية 2027. بدأ الانهيار ينتشر من قطاع التكنولوجيا إلى كامل الاقتصاد. بحلول أوائل عام 2027 «وفقاً للتقرير التنبؤي» أصبح وكيل الذكاء الاصطناعي هو الوكيل الافتراضي للمستهلكين، وبدأ «عصر الاحتكاك الصفري» فجأة.

مقارنة الأسعار أثناء التسوق، وإدارة الاشتراكات، وحجز السفر، وتجديد التأمين… تولّى الذكاء الاصطناعي جميع القرارات الاستهلاكية التي كانت تقوم على «محدودية الإنسان» «مثل: ضيق الوقت، أو الكسل، أو الاعتياد على علامة تجارية».
كانت شركات مثل: DoorDash وUber أول من سقط، لأنها كانت تعيش على ما يمكن تسميته «قصور العادة الناتج عن وجود التطبيق على الشاشة الرئيسية». وكيل الذكاء الاصطناعي لا يملك «عادات». فهو يقارن الأسعار بين جميع المنصات في الوقت الحقيقي، ويختار بهدوء الحل الأمثل. نموذج «التجديد التلقائي السلبي» الذي تعتمد عليه الفنادق وشركات التأمين وبطاقات الائتمان للبقاء تم إنهاؤه بلا رحمة بواسطة الذكاء الاصطناعي.

والأكثر انقلاباً، أن وكلاء الذكاء الاصطناعي عندما يجرون معاملات من آلة إلى آلة، فإنهم يتجنبون عمداً رسوم بطاقات الائتمان البالغة 2 إلى 3%، ويتحولون إلى استخدام العملات المستقرة على شبكات البلوك تشين، مثل: Solana لإجراء تسوية فورية تقريباً بتكلفة تقترب من الصفر. شركات، مثل: Visa وMastercard، التي بُنيت نماذج أعمالها على «ضريبة الاحتكاك «تعبير اقتصادي يستخدم لوصف الأرباح التي تحققها الشركات بسبب وجود احتكاك أو عوائق في السوق يتم تجاوزها من خلالها»، تعرضت نماذجها التجارية إلى ضربة من الجذور.
لكن الأخطر من هذه الصدمات القطاعية، هو آلية اقتصادية كلية تغطي الاقتصاد بأكمله، يسميها التقرير «دوامة الاستبدال الذكي». إنها حلقة تغذية راجعة سلبية ذاتية التعزيز: تحسن قدرات الذكاء الاصطناعي، فتحتاج الشركات إلى عدد أقل من البشر، فتزداد تسريحات الموظفين من أصحاب الدخل المرتفع، فينخفض استهلاك هؤلاء الذين فقدوا وظائفهم بشكل حاد، فتنخفض إيرادات الشركات الموجهة للمستهلكين، وتتعرض هوامش أرباحها للضغط، ومن أجل حماية الأرباح، تستثمر هذه الشركات بشكل أكثر كثافة في الذكاء الاصطناعي
وتُقلص العمالة، وهذا بدوره يدفع قدرات الذكاء الاصطناعي إلى التحسن أكثر.
تكمن خطورة هذه الحلقة في أنها لا تمتلك فرامل طبيعية. فهي ليست مدفوعة بعوامل دورية مثل: الائتمان، أو المخزون، بل بقوة بنيوية تتمثل في التحسن الأُسّي لقدرات الذكاء الاصطناعي. الأموال التي يتم توفيرها في كل جولة من التسريحات تُستخدم مباشرة لشراء قدرة ذكاء اصطناعي يمكنها أن تتسبب في الجولة التالية من التسريحات.
المرحلة الثالثة: هي مرحلة «انفجار المخاطر النظامية وتصفية علاوة الذكاء»، وتمتد من نهاية 2027 حتى منتصف 2028. عندما انتقلت الدوامة السلبية من الاقتصاد الحقيقي إلى الأسواق المالية، انفجرت الأزمة النظامية بالكامل. خلال السنوات العشر السابقة توسع سوق الائتمان الخاص إلى 2.5 تريليون دولار، وتم ضخ كميات هائلة من الأموال في شركات SaaS وشركات التكنولوجيا. وعندما لم تعد الإيرادات المتكررة لهذه الشركات «متكررة» بسبب المنافسة التي فرضها الذكاء الاصطناعي، جاءت موجة تعثر الديون، مثل تسونامي.
أصبحت Zendesk هي الحدث الرمزي الذي يمثّل المسألة. في عام 2022 استحوذت شركتا الاستثمار الخاص Hellman & Friedman وPermira على Zendesk مقابل 10.2 مليارات دولار. تضمنت الصفقة 5 مليارات دولار من القروض المباشرة. وكانت هذه أكبر صفقة تمويل في التاريخ تعتمد على «ARR الإيرادات السنوية المتكررة» كضمان. وقد قدم
القرض تحالف من المؤسسات الكبرى، مثل: Blackstone وApollo وBlue Owl وHPS.
كانت البنية التمويلية كلها مبنية على فرضية أساسية: أن الإيراد السنوي المتكرر لدى Zendesk سيبقى «متكرراً»، أي أن العملاء سيواصلون تجديد الاشتراكات. وبالنظر إلى أن تقييم الصفقة وصل إلى 25 ضعف «EBITDA الأرباح قبل الفوائد والضرائب والاستهلاك والإطفاء»، فإن هذا المستوى المرتفع من الرافعة المالية لم يكن يبدو معقولاً إلا إذا استمر الإيراد النموي المتكرر في النمو.

لكن بحلول منتصف عام 2027 أصبح نظام أتمتة خدمة العملاء المدفوع بالذكاء الاصطناعي قد نضج. أصبح وكيل الذكاء الاصطناعي قادراً على معالجة استفسارات العملاء بشكل مستقل، وحل المشكلات مباشرة دون الحاجة إلى إنشاء تذاكر دعم. وهذا يعني أن جوهر عمل Zendesk (نظام التذاكر، التوجيه، إدارة تفاعل موظفي خدمة العملاء) يتم تجاوزه بالكامل.
لم تعد الشركات بحاجة إلى منصة Zendesk لإدارة موظفي خدمة العملاء، لأن الذكاء الاصطناعي أصبح يقوم بالعمل كله بنفسه. لم يعد الإيراد السنوي المتكرر «متكرراً»، بل أصبح مجرد «إيرادات لم تضِع بعد». انهار الأساس الذي يقوم عليه نموذج العمل.

بسبب التدهور المستمر في الإيراد السنوي المتكرر لم تعد Zendesk قادرة على الوفاء بشروط ديونها. تم تخفيض قيمة القرض البالغ 5 مليارات دولار إلى 58% من قيمته الاسمية، وأصبح ذلك أكبر تعثر في تاريخ قروض البرمجيات. ما إن انتشر الخبر حتى طرحت جميع أقسام الاستثمار الائتماني السؤال نفسه: ما الشركات الأخرى التي تواجه صدمة بنيوية سببها الذكاء الاصطناعي، ولكن يتم تمويهها على أنها مجرد مشكلة دورية؟
كان السوق يعتقد بسذاجة أن بنية «رأس المال الدائم» في الائتمان الخاص قادرة على تحمل الصدمات. لكن التقرير كشف حقيقة مذهلة: شركات إدارة الأصول البديلة الكبرى اشترت شركات التأمين، واستخدمت أموال معاشات التقاعد السنوية للأسر الأمريكية العادية للاستثمار في هذه القروض الخاصة عالية المخاطر، مما خلق آلة دائمة لـ«الرسوم فوق الرسوم».
عندما تبدأ الأصول الأساسية في التعثر، تواجه شركات التأمين ضغطاً من الجهات التنظيمية فيما يتعلق بمتطلبات كفاية رأس المال، وتضطر إلى بيع الأصول، أو البحث عن أموال جديدة. ما يسمى «رأس المال الدائم» هو في الواقع مدخرات التقاعد لأسر «الشارع الرئيسي» الأمريكية.

سلسلة العلاقات المتشابكة هذه، التي بُنيت على الرهان على «نمو إنتاجية الموظفين ذوي الياقات البيضاء»، انهارت بالكامل عند أول اختبار حقيقي للضغط. لكن الصدمة الأكثر عنفاً حدثت في أساس الاقتصاد الأمريكي نفسه: سوق الرهن العقاري السكني الذي تبلغ قيمته 13 تريليون دولار. والمشكلة لم تكن في القروض عالية المخاطر، بل في القروض التي كانت تعتبر «ممتازة»!
المقترضون الذين لديهم درجة ائتمان مرتفع، ودفعة أولى بنسبة 20%، ودخل مستقر، هؤلاء «المقترضون الممتازون» تم إضعاف قدرتهم على الكسب بشكل دائم وبنيوي، بسبب الذكاء الاصطناعي. على عكس عام 2008، عندما كانت القروض سيئة منذ اليوم الذي تم فيه إصدارها، فإن قروض عام 2028 كانت جيدة عندما مُنحت. لكن «العالم تغيّر بعد أن اقترضوا المال». التوقعات المستقبلية للدخل التي كانوا يعتمدون عليها لسداد قروض لمدة 30 سنة تبخرت.
يشير التقرير بحدة إلى أن الأدوات التقليدية للاحتياطي الفيدرالي، مثل: خفض أسعار الفائدة أو التيسير الكمي، يمكنها معالجة الظروف المالية، لكنها لا تستطيع حل المشكلة الأساسية لمحرك الاقتصاد الحقيقي: وكيل Claude للذكاء الاصطناعي الذي يكلف 200 دولار شهرياً فقط يمكنه إنجاز العمل الذي كان يقوم به مدير منتج يتقاضى 180 ألف دولار سنوياً. الأدوات السياسية لا تصل إلى جوهر المشكلة، ولذلك لا يمكن إيقاف الانهيار النظامي.


الانقلاب على المسلمات التقليدية


إن عمق هذا التقرير لا يكمن في أنه يصف أزمة فحسب، بل في أنه يقوم بشكل منهجي بتفكيكٍ وتحدٍّ لعدد من المسلمات الراسخة في علم الاقتصاد وعلم الاستثمار.

 

---_result
أولاً: يقلب التقرير رأساً على عقب الاعتقاد المتفائل الذي رافق الثورة الصناعية والقائل: إن «البطالة التكنولوجية مؤقتة». يعترف التقرير بأن الثورات التكنولوجية خلال المئتي سنة الماضية خلقت بالفعل وظائف أكثر مما دمرت. لكن النقطة الحاسمة هي أن تلك الوظائف الجديدة كانت ما تزال تتطلب «بشراً» للقيام بها. أما الذكاء الاصطناعي فهو أول شكل من أشكال الذكاء العام في التاريخ يمكنه استبدال «الإنسان نفسه» في العمل المعرفي. المبرمج الذي تم تسريحه لا يستطيع ببساطة الانتقال إلى وظيفة «إدارة الذكاء الاصطناعي»، لأن الذكاء الاصطناعي يستطيع إدارة نفسه. الوظائف الجديدة التي يخلقها الذكاء الاصطناعي ليست قليلة العدد فحسب، بل إن أجورها أيضاً أقل بكثير من الوظائف التي يدمرها. هذا تحول نوعي وليس مجرد تحول كمي.

ثانياً: يصحح التقرير تصوراً شائعاً حول «أن الاستهلاك يعتمد على الجماهير». يشير التقرير إلى أن القوة المحركة الحقيقية للاقتصاد الاستهلاكي الأمريكي ليست الطبقات ذات الدخل المنخفض والمتوسط، بل أعلى 10 إلى 20% من أصحاب الدخل المرتفع من الموظفين ذوي الياقات البيضاء، إذْ يساهم هؤلاء بأكثر من نصف الاستهلاك. ولذلك فإن الاستبدال الدقيق لهؤلاء العمال، حتى لو لم يكن عدد العاطلين كبيراً، مثل: حالات الركود التقليدية، فإن تأثيره على الاستهلاك سيكون ضخماً. كما أن تأثيره سيكون متأخراً زمنياً، لأن هؤلاء يمتلكون مدخرات تمكنهم من الحفاظ على مستوى استهلاكهم لفترة قصيرة، مما يخلق وهماً مؤقتاً بالاستقرار.

ثالثاً: يقدم التقرير تعريفاً جديداً وقاسياً لما يسمى «قيمة الوساطة». يشير التقرير إلى أن الطبقة الضخمة التي قامت خلال الخمسين سنة الماضية في الاقتصاد الأمريكي- مثل: قطاعات التمويل والقانون والاستشارات والوساطة العقارية والمنصات المختلفة- كانت تقوم في أساسها على استغلال «الاحتكاكات البشرية»: مثل: عدم تماثل المعلومات، وضيق الوقت، والكسل، والولاء للعلامات التجارية. عندما يخفض الذكاء الاصطناعي هذه الاحتكاكات إلى الصفر، فإن قيمة هؤلاء «الوسطاء القائمين على العادة» تتبخر بين ليلة وضحاها. وكيل الذكاء الاصطناعي لا يمتلك تفضيلات للعلامات التجارية، ولا يخشى التعقيد، بل يقوم فقط بتحسين السعر والكفاءة ببرود. وهذا لا يعني مجرد إعادة ترتيب لبعض مجالات العمل، بل يعني نهاية نموذج اقتصادي كامل.

وأخيراً: يهز التقرير أحد الأسس التي تقوم عليها الدولة الحديثة، أي منطق «الدولة الضريبية». يطرح التقرير معضلة سياسية اقتصادية نهائية: إذا كانت إيرادات الحكومة في جوهرها «ضرائب مفروضة على البشر»، فماذا يحدث عندما يتم استبدال قيمة العمل البشري على نطاق واسع بواسطة الذكاء الاصطناعي؟ في هذه الحالة ينهار الأساس الضريبي للدولة. وفي الوقت نفسه، فإن البطالة الواسعة والركود البنيوي يجبران الحكومة على زيادة التحويلات المالية والإنفاق الاجتماعي. يؤدي هذا الفارق القاتل بين انخفاض الإيرادات وارتفاع النفقات إلى أزمة عميقة في الائتمان السيادي، وقد يؤدي حتى إلى تفكك العقد الاجتماعي، كما يوحي التقرير من خلال الإشارة إلى حركة «احتلوا وادي السيليكون».
إن حقيقة أن «فرضية خيالية» يمكن أن تتسبب في تقلب مؤشر داو جونز بمقدار 800 نقطة ربما تعني أن السوق بدأ يشعر بإمكانية معينة. إن ذلك التصور الذي يتحدث عن «أزمة ذكاء عالمية» قد يكون متطرفاً، لكنه ليس بلا أساس. عندما يبدأ المورد الأكثر ندرة في عصرنا- أي الذكاء البشري- في فقدان ندرته، فإن الصرح الاقتصادي بأكمله الذي بني على هذه الندرة سيواجه إعادة تقييم لقيمته.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1268