حفلة جنون اسمها «السوق الحر»:المسؤولون يمنون علينا بالاستيراد!
يقف السوريون اليوم أمام مشهد اقتصادي سريالي، حيث يجري قلب الحقائق وتزييف أبسط المبادئ العلمية لخدمة أجندات ضيقة. ففي الوقت الذي تئن فيه البيوت السورية من وطأة الفقر وتآكل المداخيل، تطل علينا نخبة من المسؤولين الحكوميين بفكرة مضللة وكاذبة مفادها أن فتح باب الاستيراد على مصراعيه هو فعل يستهدف رفع القدرة الشرائية للمواطن! ويدعي هؤلاء أن البضاعة الوطنية باتت عبئاً لارتفاع ثمنها، وأن الحل يكمن في إغراق الأسواق بمنتجات أجنبية رخيصة. بطبيعة الحال، فإنه لا يجب النظر إلى هذا الخطاب بوصفه سوء تقدير اقتصادي فحسب، بل الأهم من ذلك أنه يمثل طعنة في خاصرة ما تبقى من سيادة إنتاجية سورية، ومحاولة لشرعنة الجشع الذي يمارسه كبار المستوردين السابقين والحاليين، الذين يجدون في الاستيراد وسيلة للربح السريع على أنقاض الورش والمصانع السورية. وفي الواقع، ليس من الصعب كشف هذا الزيف، فالمستهلك الذي يشتري اليوم سلعة مستوردة رخيصة الثمن، سيدفع ثمنها غداً من أمنه الغذائي، واستقرار عملته، وفرص عمل أبنائه التي تتبخر مع كل حاوية تدخل الحدود والموانئ لتقتل معملاً وطنياً.
الترويج لفكرة أن الاستيراد المنفلت هو «الدواء المر» لتحسين معيشة السوريين هو أكذوبة محضة يفضحها الواقع قبل أن تفضحها الأرقام. حيث تحاول الماكينة الإعلامية للنخب الفاسدة إقناعنا بأن الصناعة السورية «مدللة» وتحتاج للمنافسة العالمية لتتطور، متجاهلة بوقاحة أن هذه الصناعة تعمل في بيئة مدمرة، بلا كهرباء مستقرة، وبوقود يفوق سعره العالمي، ومعوقات لوجستية لا تخطر على بال مستثمر في العالم.
وعليه، فإن إجبار المنتج المحلي على المنافسة في ظل هذه الظروف يشبه إلقاء إنسان مقيد اليدين في المحيط وطلب السباحة منه بكفاءة. وعليه، فإنه ليس من الصعب الاستنتاج بأن الهدف الحقيقي من هذا الخطاب هو إخلاء الساحة تماماً لكبار المستوردين الذين يعملون على ترسيخ سورية بوصفها مجرد سوق استهلاكي تابع، لا يملك من أمره شيئاً. وبالتالي، فإن «المنافسة» التي يتحدثون عنها هي في الحقيقة تصفية فعلية للقطاع الإنتاجي، وهي سياسة متعمدة تخدم كبار اللاعبين في السوق الذين يفضلون الريع السريع على عناء الاستثمار في الأرض والآلة والبشر.
كيف يقتل الاستيراد القدرة الشرائية كل يوم؟
عندما يخرج مسؤول حكومي ليعلن بزهو أن المواطن السوري استفاد من الاستيراد لأن السلعة الأجنبية أرخص من المحلية، فإنه يرتكب مغالطة اقتصادية كبرى تتجاهل مفهوم الدورة الاقتصادية المغلقة. حيث القدرة الشرائية لأي شعب لا تقاس فقط بسعر السلعة على الرف، بل بالدخل المتاح في جيب المواطن وبما يغطيه هذا الدخل. وهنا تكمن الخدعة، ففتح باب الاستيراد العشوائي يؤدي مباشرة إلى إغلاق الورش الصغيرة والمتوسطة والمصانع الكبرى التي تعد المشغل الأكبر لليد العاملة السورية.
وعندما يتوقف مصنع سوري لأن السوق غرق بمنتجات مهربة أو مستوردة بأسعار إغراقية، فإن المئات من العمال يفقدون رواتبهم. وهؤلاء العمال هم أنفسهم المستهلكون الذين نتباكى على قدرتهم الشرائية. وبسقوط المنتج المحلي، تسقط القوة الشرائية لهؤلاء العمال لتصل إلى الصفر. فما نفع أن يكون القميص المستورد أرخص بألف ليرة، إذا كان المواطن قد فقد وظيفته التي تؤمن له ثمن هذا القميص أصلاً؟
فوق ذلك، فإن الاستيراد المنفلت يستنزف القطع الأجنبي المحدود لدى الدولة والمجتمع. وبدلاً من توجيه هذا القطع لاستيراد الآلات والمواد الأولية التي تخلق قيمة مضافة، يهدر القطع على سلع استهلاكية نهائية يمكن إنتاجها محلياً. وسيؤدي هذا الطلب المتزايد على العملة الصعبة لتمويل شهوة المستوردين حتماً إلى تدهور قيمة الليرة السورية أمام العملات الأجنبية. وبمجرد انخفاض قيمة العملة، يرتفع التضخم أكثر، فتشتعل أسعار كل شيء، بما في ذلك تلك السلع المستوردة التي زعموا أنها رخيصة. بكلام آخر، إنها حلقة مفرغة حيث الاستيراد يقتل الإنتاج، وتزداد البطالة، وتنهار العملة الوطنية، ثم زيادة الفقر المدقع الذي يلتهم ما تبقى من قدرة لدى السوريين على الحياة.
لهذا، فإن الادعاء بأن المنتج السوري غالي الثمن هو نصف حقيقة ويراد به باطل. فالمنتج السوري غالي لأن تكاليف الإنتاج، من طاقة وضرائب وصعوبة تمويل، هي الأعلى إقليمياً بفعل السياسات الحكومية الفاشلة. وبدلاً من أن تعالج الحكومة هذه التكاليف لدعم المواطن، ذهبت للحل الأسهل وهو الاستيراد، محولةً الدولة من حامٍ للإنتاج إلى سمسار للمنتجات الأجنبية. وهذه بطبيعة الحال ليست سياسة لرفع القدرة الشرائية، بل لخلق فقر بنيوي طويل الأمد، حيث يتحول المجتمع من مجتمع لا يزال يتمتع ببعض قدرات الإنتاج إلى مجتمع متسول ينتظر فضلات الأسواق العالمية التي يتحكم بأسعارها بضعة تجار كبار مرتبطين بمراكز القرار.
تحالف البيروقراطية والنهب لاغتيال الصناعة بدم بارد
لا يمكن فهم الإصرار الحكومي على تبرير الاستيراد إلا من خلال عدسة تقاطع المصالح، حيث النخبة التي تضع القوانين الاقتصادية اليوم هي ذاتها، أو هي شريكة، نخبة كبار المستوردين. وبالنسبة لهؤلاء، فإن التصنيع «وجع راس» حيث يتطلب بناء مصانع، وإدارة عمال، ومواجهة مشاكل الكهرباء، وانتظار سنوات لجني الأرباح. أما الاستيراد، فهو ربح سريع ونظيف، ومجرد حاويات تمر عبر الموانئ وتتحول إلى مليارات في أيام معدودة.
تستخدم هذه النخب مصطلحات مثل «اقتصاد السوق» و«الحداثة الاقتصادية» لتغطية عملية نهب منظم. وتتحدث عن عدم كفاءة المنتج السوري، لكنها تتناسى عمداً أن أكبر اقتصاديات العالم، بما في ذلك الولايات المتحدة إلى الاتحاد الأوروبي، تفرض قوانين حماية صارمة وصناديق دعم بمليارات الدولارات لحماية صناعاتها. فهل الفلاح الفرنسي أو الصناعي الألماني اتكالي عندما يحصل على دعم للطاقة؟ طبعاً لا، بل هو جزء من أمن قومي. أما في سورية، فقد تم تصوير دعم الإنتاج كأنه خطيئة أو هدر للمال العام، بينما يعتبر تسهيل الاستيراد «انفتاحاً».
ما يحدث اليوم هو عملية تهجير اقتصادي ممنهجة. فعندما يجد الصناعي السوري نفسه محاصراً بين التكاليف المحلية المرتفعة والبضائع المستوردة المدعومة في بلدان منشئها، فإنه يضطر لإغلاق منشأته والهجرة برأس ماله إلى دول الجوار التي تفرش له السجاد الأحمر حرفياً. والخسارة هنا ليست مادية فقط، بل إننا نفقد تراكم خبرات صناعية عمرها عقود، ونفقد بنى تحتية لن نتمكن من تعويضها بسهولة أبداً. أما المستفيد الوحيد فهو التاجر الذي يملأ الرفوف ببضاعة رديئة الصنع، غالباً ما تكون «ستوكات» أو مخالفة للمواصفات، تباع للسوريين المنهكين تحت إغراء السعر المنخفض.
لهذا كله، يمكن القول إن شعار المنافسة تحول إلى شيفرة لضرب ما تبقى من الصناعة الوطنية. فالمنافسة العادلة تتطلب تكافؤ فرص، ولكن كيف ينافس منتج سوري يدفع ثمن الطاقة أضعاف ما يدفعه منافسوه؟ تعترف الحكومة، بتبنيها خطاب «الاستيراد هو الحل»، بفشلها في تأمين بيئة عمل للمنتج المحلي، وبدلاً من إصلاح الفشل، قررت معاقبة الضحية ومكافأة الجاني.
السيادة الإنتاجية المفقودة: لقمة السوريين في عهدة الناهبين
النتائج الكارثية لسياسة الاستيراد المنفلت بدأت تظهر جلياً في بنية المجتمع السوري. نحن أمام تحول خطير من دولة تملك قدرات إنتاجية إلى دولة ريع تجاري. وهذا التحول يعني أن قرارنا الوطني سيبقى مرهوناً - عملياً وفي نهاية المطاف - لمن يملك مفاتيح المستودعات. فعندما تختفي الصناعة الوطنية، سنصبح أردنا ذلك أم لا تحت رحمة محتكري الاستيراد الذين قد يبدأون بأسعار منخفضة لإخراج المنتج المحلي من السوق (وهذا صلب سياسة الإغراق)، ولكن بمجرد أن الانفراد بالسوق، سيرفعون الأسعار إلى مستويات قياسية لا يستطيع المواطن تحملها، ولا تجد الدولة حينها أي قدرة للضغط على هؤلاء المحتكرين.
كانت التوصيات الـ13 لغرفة صناعة دمشق وريفها التي تم تجاهلها أو تمييعها (راجع مادة غابة استيراد أم دولة إنتاج؟ قاسيون - العدد 1264) واضحة في تشخيص الداء: نحتاج إلى مجلس أعلى للصناعة يشرك المنتجين في القرار، ونحتاج لحماية جمركية صارمة، وضبط حقيقي للحدود. لكن لماذا لا تنفذ هذه المطالب؟ لأنها تضرب في صميم مصالح النخب الفاسدة التي تغتني من التهريب ومن فوضى التعرفات الجمركية. وكما قلنا سابقاً، فإن كل ليرة تدفع لسلعة أجنبية ولها بديل محلي هي طعنة في ظهر الاقتصاد، وكل قرار يسهل الاستيراد الاستهلاكي هو مساهمة مباشرة في إفقار الشعب.
السيادة الوطنية، ورغم أن هذا الشعار قد جرى استهلاكه بطرق عدة، تعني أن الإنتاج الوطني أولاً. والاعتماد على الاستيراد في ظل ظروف عدم الاستقرار العالمي هو انتحار اقتصادي. إذا ما حدثت أي أزمة شحن أو توتر سياسي، سيجد السوريون أنفسهم أمام رفوف خاوية وأسعار فلكية، لأن المسؤولين دمروا بأيديهم المصانع التي كانت تؤمن العديد من احتياجات البلاد.
المطلوب اليوم ليس تغيير عقلية المنتج الذي يقاتل وحيداً في معمله، بل تغيير عقلية صانع القرار الذي يرى في سورية «مولاً كبيراً» للاستيراد بدلاً من ورشة كبرى للإنتاج. واستعادة القدرة الشرائية الحقيقية للمواطن تبدأ من دعم الإنتاج لخفض تكلفة المنتج المحلي وزيادة الدخل الوطني. وأي كلام آخر عن فوائد الاستيراد هو محض تضليل يخدم جيوب القلة على حساب جوع الكثرة.

معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1266
