كونفدرالية الساحل تحت نيران كثيفة... هل تنجح في تجاوز الأزمة؟
ما تزال تداعيات الهجوم الواسع الذي تعرضت له دولة مالي في الخامس والعشرين من نيسان الماضي تتفاعل بسرعة، فرغم أن الاحتمالات تبقى مفتوحة، إلا أن نقاشاً واسعاً حول التوقيت والتحالف الذي نفّذ الهجوم ما زال ضرورياً، إذ جاء الهجوم نتيجة تنسيق ميداني غير مسبوق بين «جبهة تحرير أزواد» وجماعات مسلحة مرتبطة بتنظيم القاعدة، وعلى رأسها «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين». هذا التقاطع في المصالح رغم أنه لا يعكس بالضرورة اندماجاً استراتيجياً طويل الأمد، وبقدر ما يعبر عن تحالف ظرفي فرضته موازين القوة والضغط العسكري الذي يمارسه الجيش المالي في الشمال، وهو ما يدفع أطرافاً متباينة الأهداف إلى الالتقاء مؤقتاً في ساحة قتال واحدة.
القوى المشاركة في الهجوم
تعاني منطقة الساحل من انتشار لجماعات إرهابية عابرة للحدود، لا تملك مشروعاً وطنياً محدداً ولا تحمل برنامجاً تنموياً للدولة، ما يجعلها أقرب ما تكون ذراعاً لقوى الاستعمار التقليدية في أفريقيا، وعصا ترفع بوجه أي مشروع مستقل حقيقي، من جهة ثانية تبدو الحركات الأزوادية أقرب إلى تعبير سياسي-اجتماعي عن أزمة تاريخية داخل الدولة المالية، حيث ترتبط مطالبها بقضايا الهوية والتهميش والتنمية، رغم انخراطها في شبكة علاقات إقليمية معقدة، بحكم الامتداد الجغرافي والبشري لها، ولكن يبقى الثقل الأكبر للحركة ضمن دولة مالي.
ويُعد الأزواد فضاءً إثنياً وثقافياً متنوعاً، يضم الطوارق والعرب والفولاني والسونغاي، مع حضور بارز للطوارق الذين يشكلون العمود الفقري للحركات السياسية في الشمال. وينتمي الطوارق إلى أصول أمازيغية، ويعيشون تقليدياً حياة ترحال عبر الصحراء الكبرى الممتدة بين عدة دول في شمال وغرب أفريقيا، وهو ما أسهم في تشكل وعي عابر للحدود لديهم، لكنه في الوقت ذاته عمّق شعورهم بالتهميش داخل الدولة الوطنية الحديثة. ويقع إقليم أزواد شمال مالي على مساحة شاسعة تمثل نحو ثلثي البلاد، ويضم مدناً محورية، مثل: تمبكتو وغاو وكيدال، وهي مناطق تعاني منذ عقود من ضعف التنمية وغياب الخدمات، الأمر الذي شكّل أحد أبرز دوافع المطالبة بالحكم الذاتي، أو الانفصال.
وقد شهد كانون الأول 2024 تحولاً مهماً بإعلان عدة حركات أزوادية، من بينها «الحركة الوطنية لتحرير أزواد» و«المجلس الأعلى لوحدة أزواد» و«الحركة العربية الأزوادية»، حلّ نفسها وتشكيل كيان موحد تحت اسم «جبهة تحرير أزواد»، في محاولة لتوحيد الجهود السياسية والعسكرية وتعزيز القدرة التفاوضية في مواجهة السلطة القائمة.
وصولا للهجوم المشترك مع جماعات متطرفة، وهو خطر حقيقي على حركة الأزواد نفسها، وما قد يشكل انتحاراً سياسياً لمطالبها بالانفصال والحكم الذاتي، ورغم أن الهجوم كان مفصولاً من حيث العمليات الجغرافية فالأزواد هاجموا المناطق الشمالية، والجماعات المرتبطة بالقاعدة هاجمت المدن الرئيسية الجنوبية، ومن بينها العاصمة باماكو، على الرغم من هذا الفصل العملياتي إلا أن الاعتراف بتنسيق العمليات وتوقيتها لن يمر دون عواقب، خاصة من خلال تبني الدول وقدرتها على دعم مطالب الأزواد، وكذلك موقف الدول المجاورة، خاصة الجزائر، التي لن ترغب أن تشهد حدودها الجنوبية تطور جماعات متطرفة.
الدور الجزائري
في هذا السياق، يبرز الدور الجزائري كعامل إقليمي معقد، يسعى للتوازن بين ضرورات الأمن القومي ومقتضيات احترام سيادة الدول. فبالنسبة للجزائر، لا تمثل الأزمة في شمال مالي مجرد شأن خارجي، بل ترتبط مباشرة بأمن حدودها الجنوبية الطويلة والمفتوحة، والتي يصعب ضبطها في ظل انتشار الجماعات المسلحة، وشبكات التهريب والهجرة غير النظامية. كما أن الروابط الاجتماعية بين سكان جنوب الجزائر وبعض مكونات المجتمع الأزوادي تفرض واقعاً لا يمكن تجاهله. ومع ذلك، تحرص الجزائر على التأكيد أنها لا تدعم النزعات الانفصالية، بل تدفع باتجاه حل سياسي يحافظ على وحدة مالي، وهو موقف تجسد تاريخياً في رعايتها لعدة اتفاقات سلام، بدءاً من اتفاق تامنراست عام 1991 وصولاً إلى اتفاق الجزائر لعام 2015.
غير أن هذا الاتفاق الأخير تلقى ضربة قوية مع إعلان المجلس العسكري الحاكم في مالي إلغاء العمل به، بعد تصاعد أعمال قتال بين المجلس العسكري ومجموعات من الأزواد شمال البلاد، واعتراض المجلس العسكري على دور الوسيط الجزائري. ليقوم المجلس العسكري بتنفيذ مجموعة من العمليات استهدفت قيادات أزوادية بارزة، وهو ما أدى إلى مقتل عدد من القادة الميدانيين والشخصيات القبلية المؤثرة في نهاية العام 2024.
المسار السياسي
بعد الانقلاب في مالي، لم ينجح المجلس العسكري الجديد في إطلاق مسار سياسي بديل يحظى بإجماع وطني، حيث لا يزال المشهد الداخلي يتسم بحالة من الجمود، خاصة بعد إجراءات قيّدت الحركة السياسية في البلاد وعطلتها، وخلال تلك المدة كانت المشاكل تتراكم، خاصة تلك المرتبطة بحركة الأزواد. ومع ذلك، لا يمكن إغفال أن المجلس العسكري يستند إلى قاعدة دعم شعبي، تغذيها بالأساس حالة وطنية رافضة للتبعية الغربية، خصوصاً الفرنسي، إلى جانب الرهان على تحالف دول الساحل كبديل إقليمي، يسعى إلى بناء نموذج تعاون جديد خارج الأطر التقليدية. ويعكس هذا التوجه محاولة لإعادة تعريف موقع مالي ضمن محيطها الإقليمي والدولي، في سياق أوسع تعيشه القارة الأفريقية، حيث تتزايد الدعوات إلى تجاوز إرث ما بعد الاستعمار، وبناء صيغ تكامل أكثر استقلالية، تمثل مشروعاً مضاداً للمشاريع التي فرضت على الدول الأفريقية التي تهدف لتجزئتها وتقسيمها إلى دويلات ضعيفة ومتحاربة، وهذا ما يدفع الكثير من المحللين للحديث عن دور فرنسي- غربي وراء دعم هذا الهجوم الكبير، أملاً في أن يكون ضربة قاصمة للنظام في باماكو، وهو ما لم يتحقق حتى الآن.
الوضع الحالي
أعلن رئيس المجلس العسكري إسيمي غويتا في تصريح متلفز، أن الأوضاع تحت السيطرة، على الرغم من وصفه للمشهد بأنه بالغ الخطورة، ودعا السكان إلى «انتفاضة وطنية» و«التصدي للانقسام والتصدع الوطني»، معتبراً أن «مالي بحاجة إلى التعقّل لا إلى الذعر».
في المحصلة، تبدو الأزمة في مالي نتاج تداخل معقد بين عوامل داخلية تتعلق بالهوية والتنمية والسلطة، وأخرى إقليمية ودولية ترتبط بالصراع على النفوذ والمحاولات المستمرة من القوى الاستعمارية لتعقيد المشهد. وبينما تفرض التحالفات الظرفية نفسها على الأرض، يبقى غياب حل سياسي شامل هو العامل الأكثر ترجيحاً لاستمرار حالة عدم الاستقرار، مع ما يحمله ذلك من تداعيات تتجاوز حدود مالي إلى كامل منطقة الساحل.
إن تجربة كونفدرالية الساحل تمثّل في الحقيقة محاولة جدية للتخلص من إرثٍ ثقيل تركه الاستعمار، وتبحث عن نمط جديد للعلاقات البينية بين الدول الأفريقية، وقدّمت لذلك نموذجاً جديداً، تكمن خطورته بالنسبة للغرب في كونه قابل للتكرار والتوسيع، ويمكن أن يتحوّل سريعاً إلى نقطة مضيئة في ظل تنامٍ لنزعة الاستقلال في أفريقيا، ولذلك بالتحديد، يبدو استهداف هذا المشروع ووضع العراقيل في وجهه مهمة يجري العمل عليها من قوى، مثل: فرنسا والولايات المتحدة، وتحديداً عبر الاستناد إلى نقاط الضعف الكامنة والتي تراكمت طوال عقود.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1276
معتز منصور