جولة مفاوضات مرتقبة… ترامب ينكر الواقع ويعيش في عالم الأحلام!
بدلاً من حربٍ خاطفة تنتهي «بضربة قاضية» وجدت الولايات المتحدة نفسها في مأزق تاريخي بعد بدء عدوان مشترك مع «إسرائيل» على إيران، فرغم الاسم «الجذاب» لهذه الحملة «الغضب الملحمي» لم تستطع واشنطن وتل أبيب فرض واقع جديد، بل إن ما يجري الآن تجاوز ذلك بمراحل، فبدلاً من إخضاع طهران يتمحور النقاش حول قدرة إيران على فرض شروطها على الأطراف المعتدية.
إن المقدّمة السابقة تستند إلى حدٍ كبير على معطيات واقعية لم يعد تجاهلها ممكناً، فالرواية الأمريكية للأحداث ظلّت متمسكة بجملة من الأكاذيب عن «إنجازات كبرى» جرى ويجري تحقيقها، لكن وإن كان من السهل إلى حدٍ ما إخفاء معلومات عسكرية، كان من شبه المستحيل إخفاء بيانات حركات الملاحة في المضيق، التي باتت بيانات مفتوحة للعامة ومن عدّة مصادر. إذ تبين أن الحصار الذي أرادت الولايات المتحدة من خلاله فرض جملة من الشروط وزيادة الضغط على إيران لم ينجح، وهذا ليس مسألة بسيطة على الإطلاق، فبلد مثل الولايات المتحدة الأمريكية يسخر حاملة طائرات مع مجموعة ضاربة مؤلفة من 14 سفينة، بينها 11 مدمرة، للتعامل مع إيران وفرض حصار على المضيق كان عاجزاً عن تحقيق ذلك بالشكل المطلوب، فمن أصل 145 محاولة عبور خلال فترة الحصار، نجحت 81 سفينة في كسر الحصار بنسبة نجاح بلغت 56%. ورفضت 45 سفينة الانصياع لأوامر مباشرة من القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM).
شملت السفن التي مرت خلال الفترة من 13 نيسان الماضي 11 سفينة تابعة لشركات في الصين والهند وباكستان وتركيا بعد تنسيقٍ مع الجانب الإيراني، وتشمل أيضاً 28 سفينة أخرى مدرجة على قوائم العقوبات، هذا بالإضافة إلى بيانات تفيد بنجاح أسطول الظل الإيراني بالحفاظ على الصادرات في ظل هذا الظرف، وتشير بعض التقديرات إلى أن الأرقام المعلنة «81 سفينة شحن» يمكن أن تكون أكثر نظراً لكون السفن كانت مضطرة لإغلاق أجهزة التتبع أثناء العبور. كل ذلك جعل من الحصار مسألة محرجة للولايات المتحدة، التي كانت تسوّق له على أنّه يمكن أن يحقق أهداف الحرب دون قتال!
عودة إلى المفاوضات
إن الجولة التصعيدية الأخيرة التي تلت جولة المفاوضات الأولى في باكستان كان الهدف العميق منها فعلياً أن يحاول كل طرف أن يحسن أو- في أقل تقدير- يثبّت موقعه التفاوضي، هذا المشهد يصفه الصحفي توماس
فريدمان في نيويورك تايمز ويقول «إن الطرفين يخوضان رهاناً خطيراً؛ فبينما يراهن ترامب على أن الحصار النفطي سيجبر طهران على التفاوض بشروطه، تراهن إيران على أن خنق مضيق هرمز ورفع أسعار الغاز والغذاء سيجبر ترامب على التراجع، ويصف هذا الوضع بأن كل طرف يقول للآخر: (سأحبس أنفاسي حتى يتغير لون وجهك للأزرق)، مع انتظار من سيختنق أولاً». لكن الحصار وما تلاه أظهر بشكلٍ واضح أن الكفة تميل لصالح إيران، وهو ما ترفضه واشنطن بحالة من الإنكار، فطهران قدّمت مقترحاً جديداً لاتفاق عبر الوسيط في باكستان، يقوم فعلياً على الفصل بين الملفات، ورأى الطرف الإيراني أنه يمكن الوصول إلى اتفاق على أساس «خطة النقاط الثلاث» التي تنطلق من تسلسل عكسي، عبر دفع الملف النووي إلى المرتبة الثالثة في الخطة، وتقديم «الأمن والسيادة» كشرط مسبق، ليكون على هذا الأساس المطلوب هو وقف نهائي وشامل للعدوان على كافة الجبهات، ووجود ضمانات قانونية ملزمة بعدم تكرار الهجوم من الولايات المتحدة أو «إسرائيل» ويضاف إلى هذا النقطة ضرورة انسحاب القوات الأمريكية من القواعد الموجودة في دول الجوار القريبة من إيران، بينما يشمل الملف الثاني تفعيل القانون الذي أعده البرلمان الإيراني، والذي ينص على منع السفن «الإسرائيلية» من العبور، وتلتزم «الدول المعادية» في دفع تعويضات حرب مقابل العبور، بينما تحتاج الدول الأخرى إلى تصاريح مسبقة من الجانب الإيراني. وبعد إنجاز هذه المراحل من الاتفاق وتثبيت الواقع الجديد، يمكن البدء بالتفاوض على الملف النووي.
الشروط التي تفرض بالقوة!
الولايات المتحدة قابلت هذا العرض بالرفض، وقال ترامب «لا يمكنني تخيل أن تكون هذه الخطة مقبولة، لأن إيران لم تدفع بعد ثمناً باهظاً بما يكفي عما فعلته بالبشرية وبالعالم طوال الـ 47 عاماً الماضية» ثم نشر خريطة لمضيق هرمز غيّر اسمه لـ «مضيق ترامب» كل هذه المحاولات لا تغير من واقع المسألة، بل تعظّم التكلفة على ترامب والولايات المتحدة، فإذا أردنا حساب ما فعلته الولايات المتحدة للبشرية والعالم طوال عقودٍ مضت لكانت أمام فاتورة ضخمة يكون انسحابها من المنطقة جزءاً يسيراً منها! ولكن واشنطن تعرف جيداً أن فرض أي شرط لا يمكن تحقيقه بالتمنيات، بل يجب فرضه في الواقع وفي موازين القوى، وهنا تحديداً لا يجب أن يغيب أبداً أن ما تطلبه طهران هو ببساطة تثبيت للوضع الحالي القائم، والذي نجحت إيران في فرضه رغم كل ما تعرّضت له من ضربات عنيفة خلال أكثر من شهر من القصف العنيف.
لكي تكون الفكرة أوضح، ينبغي التنبيه إلى أن القواعد الأمريكية مثلاً التي تطلب إيران إخلاءها هي خالية بنسبة كبيرة، بل إن تقريراً جديداً خرج عن CNN الأمريكية يوضح حقائق صادمة تفيد تضرر ما لا يقل عن 16 منشأة عسكرية أمريكية موزعة على 8 دول، وهو ما يمثل أغلبية المواقع الأمريكية في المنطقة، وبحسب التقرير، أصبح عددٌ من هذه القواعد «غير قابل للاستخدام» وتورد وسيلة الإعلام الأمريكية معلومات عن أن الضربات استهدفت بشكلٍ دقيق أصولاً وأسلحة ثمينة جداً، كان من ضمنها طائرات بنصف مليار دولار، ومعدات اتصال حساسة إذ جرى تدمير 5 قبب رادار في موقع في الكويت من أصل 6! والضربات الإيرانية بحسب التقرير، كانت تعتمد على صور دقيقة من قمر صناعي إيراني بتكنولوجيا صينية، يمكن أن يزود إيران بصور جوية مقاربة لقدرات الولايات المتحدة، ولكن أهم ما كان على قائمة الاستهداف، قاعدة العديد التي تؤدي دوراً محورياً في القيادة المركزية الأمريكية، والتي تقود العمل في 21 دولة! وكانت أبرز الخسائر هو الرادار الاستراتيجي الموجود فيها. إن مسؤولين أمريكيين رأوا أنهم أمام دمار تاريخي وغير مسبوق يفرض واقعاً جديداً: هل تستطيع واشنطن إعادة تأهيل هذه القواعد؟ خصوصاً أن الأضرار شملت بمعظمها أصولاً استراتيجية من أنظمة الاتصالات التي لا يمكن تعويضها ببساطة، وهي أصلاً موارد محدودة جداً.
نتائج كبرى قادمة
الحرب هذه، ورغم أنّها لم تنته بعد، تحوّلت إلى مفصل جدي، ولا يمكن بعد إحصاء نتائجها بشكلٍ دقيق، فمن جهة هناك واقع جديد في واحد من أكثر المضائق المائية أهمية على المستوى العالمي، وهناك أسئلة كبرى حول قدرة واشنطن على استمرار تواجدها في غرب آسيا، بعد التدمير الكبير الذي تلقته، وهو ما سيكون رصيد كبير بيد قوى داخل واشنطن تريد تغيير طبيعة الدور الخارجي للولايات المتحدة، لكن السؤال الأهم: ما هي تداعيات كل ذلك على دول الخليج نفسها؟ فإن الإمارات المتحدة والسعودية كانتا تواجهان بالفعل مشاكل كبيرة في العلاقات الثنائية، وهما اليوم تحت ضغوط كبرى، بدأنا نرى نتائجها بإعلان الإمارات خروجها من اتفاق أوبك بلاس، إن هزات من هذا النمط غير تلك التي تجري خلف الستار، هي سلسلة من الأحداث المترابطة، والتي ستحمل تداعيات تشبه الدومينو، ورغم أن حالة من هذه تبدو لحظة حرجة وخطرة، وهي كذلك بالفعل، إلا أنّها تجري في مناخ دولي جديد يملك بدائل ومخارج، أهم ما يميزها أنّها بعيدة عن الولايات المتحدة، الطرف الذي سيتحمل الملامة ونتائج كل ما جرى أكثر بكثير من أي طرفٍ آخر.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1276