صواريخ إيران تدكّ ديمونة وصاروخ واحد ينهي حيّاً كاملاً في عرّاد
الحرب الخاطفة التي تمناها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وبنيامين نتنياهو، تحوّلت سريعاً إلى مستنقع خطر! بعد 23 يوماً من العدوان الأمريكي-«الإسرائيلي» ضد إيران تنجح الجمهورية الإسلامية في توجيه ضربات مستمرة ونوعية، وتكشف عن قدرات عسكرية كبيرة تتميز بقدرتها على العمل حتى ضمن ظرف القصف المعادي المتواصل.
الحرب تتطور بسرعة شديدة، وحملت معها الكثير من المفاجآت، فإلى جانب قدرات إيران الكبيرة التي كانت تبدو غير قابلة للتصديق بنظر البعض، أظهر حزب الله في لبنان حضوراً صادماً، بعد أن كانت الدعاية «الإسرائيلية» تروج أنّه انتهى، ظهر بقوة في المعركة، وهو قادر على تنفيذ 50 عملية في اليوم الواحد، مستهدفاً المستوطنات والآليات والدبابات وجنود الاحتلال!
ترامب يُظهر تخبطاً أكبر، ولم يعد قادراً على تسويق أكاذيبه، ففي ردّه على تقرير نشرته نيويورك تايمز، يكشف حجم الأكاذيب التي يقولها للشعب الأمريكي، قال في دفاعه عن نفسه: إن «الولايات المتحدة مسحت ايران عن الخريطة» لكنّه كان بالواقع يثبت ما جاء في
التقرير، إذ كانت إيران في الوقت نفسه تنفذ واحدةً من أعنف وأخطر الهجمات حتى الآن على «إسرائيل» إذْ نجحت الصواريخ باختراق واحدةً من أكثر المناطق تحصيناً، وضربت مدينة عرّاد ومدينة ديمونة، وتقول الأنباء عن استهداف مبنى مرتبط بالبرنامج النووي «الإسرائيلي» وإلحاق أضرار كبيرة وعشرات الإصابات، ليكون الاستهداف التالي في مدينة عرّاد في حي سكني، وسبب أضراراً فادحة في أكثر من عشرين مبنى سكني، بعضها انهار تماماً، فيما هرعت فرق الدفاع المدني إلى موقع الحادث، وكان عدد العناصر المتواجدة يفوق الألف، ما يشير إلى حجم الضربة!
ردّ إيران المتماسك
يتميز الرد الإيراني حتى اللحظة بكونه متواصلاً وبعيداً عن العشوائية، فهو من جهة رد بالمثل على الضربات التي تنفذها «إسرائيل» والولايات المتحدة، ومن جهة ثانية توسيع لطبيعة الأهداف، فإيران في كثير من الأحيان لا تكتفي برد مماثل، بل تصعّد الاستهداف، فحين تستهدف منشأة لإنتاج الطاقة مثلاً في إيران، لا يكون الرد استهداف منشأة في الطرف المقابل، بل في استهداف عدد من المنشآت في عددٍ من الدول، ما يظهر أن قدرات إيران لا تتمثل فقط بوجود صواريخ ومسيرات قابلة للإطلاق من المدن المدفونة في الجبال، فهذه مسألة مفروغ منها، بل ما يجري فعلياً هو أن هناك قيادة عسكرية وسياسية متماسكة، وهو بالضبط جوهر أزمة «إسرائيل» والولايات المتحدة، فإذا كانت الخطة تعتمد فعلياً على خلق صدمة بعد اغتيال القيادات الأساسية، واغتيال من ينوب عنهم فوراً، فيمكننا القول: إن الخطة تفشل، وهو ما يدفع الأمور إلى أماكن خطرة جداً، فإن كانت الحرب هي في الواقع حرب مصيرية بالنسبة للكيان الصهيوني تحديداً، فإن فشل الخطة قد لا يقود إلى إنهاء الحرب، بقدر ما يمكن أن يقود إلى توسيعها، وهو ما يحاول بنيامين نتنياهو فعله، فعندما تستهدف «إسرائيل» حقل غاز في إيران، فهي تفتح المجال لنقل الحرب إلى استهداف كل البنى التحتية للطاقة في المنطقة، وتل أبيب تعلم بالطبع أن إيران قادرة على توجيه ضربات من هذا النوع، ما يمكن أن يتحول أيضاً إلى تهديد وجودي بالنسبة لدول الخليج، خصوصاً تلك التي فشلت في تنويع مصادر دخلها الوطني ولا تزال تعتمد بشكل أساسي على تصدير النفط الخام. معنى هذا أن الكيان يعمل بشكلٍ حثيث ومتواصل على زيادة قائمة الدول المشاركة في الحرب، وهذا وإن لم يكن كافياً لحسم النتائج لصالح «إسرائيل» لكنّه قادر على إطالة أمد الحرب أكثر.
لكن ضربات إيران وتحديداً تلك في 21 آذار، قادرة أيضاً على فرض معادلة جديدة، فإن كان استمرار الحرب مطلوب «إسرائيلياً» فيجب أن تكون تكلفة ذلك كبيرة إلى درجة تهدد بقاء «إسرائيل»، فإن تصريحات المسؤولين «الإسرائيليين» كانت تقول: إن الصاروخ الذي أصاب عراد ليس استثنائياً، وإن ما جرى كان «فشلاً في اعتراض الصاروخ» لكن الواقع يقول: إن اعتراض الصواريخ لا يتطلب فقط مهارة فنية! بل يتطلب فعلياً وجود كمية كافية من صواريخ الاعتراض، التي يجري استنزافها بشكل كبير جداً، وهذا ما يعني أن ضربات مثل تلك التي جرت في عراد وديمونة، ليست إلا بداية لمرحلة جديدة، فالصواريخ الإيرانية لن تجد ما يمنعها من الوصول إلى أهدافها سواء أكانت «الاستثنائية» أو «عادية»، وإن كان صاروخ واحد غير استثنائي ووزن المادة المتفجرة فيه 450 كغ قادر على تدمير حي سكني بأكمله، فكيف سيكون المشهد خلال الأيام القليلة القادمة؟ فصحيح أن «إسرائيل» قادرة على توجيه ضربات كثيرة داخل إيران، لكن ما يجب أن يظل حاضراً هو أن مساحة الكيان الصهيوني اليوم تقارب 22 ألف كم2 بينما تمتد مساحة إيران إلى أكثر من 1,6مليون كم2 وتصل الكثافة السكانية داخل «إسرائيل» إلى 446 نسمة في كم 2بينما لا تتجاوز 57 نسمة في كم2 داخل إيران، مع وجود مناطق ريفية كبيرة يتوزع فيها عدد كبير من السكان. هذه بالإضافة إلى أن المستوطنين يظهرون حماساً أقل اتجاه البقاء في «إسرائيل» وخصوصاً أنّهم يرون فرصاً أفضل للعيش بعيداً عن منطقة ملتهبة.
تخطيط استراتيجي واضح
إيران تخوض حرباً مصيرية، وتفكر بشكلٍ عميق واستراتيجي، فهذه الضربات الموجعة ليست إلا جزءاً من استراتيجية شاملة، فطهران تجد مساحة للتفكير بشكل وطبيعة المنطقة بعد الحرب، وتضع ثوابت أساسية مرتبطة بمصير القوات الأمريكية في المنطقة، فالرئيس الإيراني خرج في 21 آذار بمناسبة عيد النوروز، وقدّم اقتراحاً بإنشاء تكتل إقليمي موحد، يجمع دول المنطقة، لتعزيز التعاون السياسي والاقتصادي، كما اقترح إنشاء برلمان يضم الدول الإسلامية، ليكون منصة للتنسيق والتشاور وحل النزاعات داخلياً دون تدخل خارجي، كما دعا الرئيس مسعود بزشكيان إلى رفض الوجود العسكري الأجنبي في المنطقة، وبناء منظومة أمنية مشتركة تعتمد على قدرات دولها نفسها لتحقيق الاستقرار. إن هذا الطرح قد يبدو بنظر البعض مجرّد حديث للاستهلاك الإعلامي، إلى انّه ينطلق من وقائع، وتحديداً بالنسبة لمنطقة الخليج العربي، فإن تلقي الولايات المتحدة هزيمة بهذا الحجم، سيكون مدخلاً لإنهاء تواجدها في هذه المنطقة، وإن تقديم إيران مبادرة من هذا النمط للدول الإسلامية، يعني فعلياً تأمين مخرج آمن بأقل الخسائر الممكنة، فإن وجود القوات الأمريكية في المنطقة سيكون العائق الأهم في بناء أي تكتل إقليمي حقيقي، وإن إنهاء هذا الوجود سيفتح المجال لذلك.
إن أي حرب مع «إسرائيل» هي في الحقيقة مطلب حقيقي للغالبية العظمى من شعوب المنطقة، حتى لو كان للأنظمة العربية حساباتها، فإن اندلاع هذه المواجهة، أعاد تصويب البوصلة إلى الخطر الحقيقي، وأظهر أمام شعوب المنطقة، أن الولايات المتحدة لن تجر المنطقة إلا للخراب، بعد أن كان الكثير منهم يظن أن الضمانة الوحيدة للأمن هي التحالف مع الولايات المتحدة، أظهرت إيران أن العكس هو الصحيح! فإيران المحاصرة تقاتل اليوم بشراسة أعتى جيوش العالم، وتربك صفوفهم، بينما تحاول دول الخليج التي كانت تعيش في بيئة منفتحة تحت مظلة الأمن الأمريكية طرق الأبواب لتحصيل صواريخ للدفاع الجوي، تبين أنّها غير متاحة في أكثر اللحظات خطورة!
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1270