اليابان في زمن التحولات... بين أمن الطاقة وتراجع المظلة الأمريكية
يشكل التصعيد العسكري في الشرق الأوسط، اختباراً حقيقياً لليابان على المستويين السياسي والاقتصادي، كما وضع زيارة رئيسة الوزراء اليابانية إلى الولايات المتحدة في سياق مختلف تماماً عن أهدافها الأصلية. فبدلاً من التركيز على الاستثمار والتعاون الاقتصادي والمخاوف الأمنية التقليدية، تحولت الزيارة إلى ساحة اختبار لقدرة طوكيو على المناورة بين تحالفها الاستراتيجي مع واشنطن، ومصالحها الاقتصادية والأمنية المرتبطة باستقرار منطقة غرب آسيا.
جاء لقاء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي بعد فوزها الكبير في الانتخابات، وسط مخاوف يابانية واضحة من أن يمارس ترامب ضغوطاً علنية لدفع طوكيو إلى الانضمام لتحالف عسكري لتأمين الملاحة في مضيق هرمز. ويكتسب هذا الضغط أهمية خاصة نظراً لاعتماد اليابان الكبير على واردات الطاقة من الشرق الأوسط، حيث تمر نحو 90% من وارداتها النفطية عبر المضيق. ومع ذلك، حاولت تاكايتشي التمسك بموقفٍ رافضٍ لإرسال سفنٍ عسكرية، مستندةً إلى القيود الدستورية التي تحد من استخدام القوة خارج إطار الدفاع المباشر عن اليابان.
التحفظ الياباني مرتبطٌ أيضاً بحساباتٍ داخلية دقيقة. فاليابان تخشى الانجرار إلى صراع عسكري مباشر قد يهدد مصالحها الاقتصادية، في وقت تعتمد فيه بشكلٍ كبير على استقرار إمدادات الطاقة من المنطقة. وقد ظهر ذلك بوضوح عندما أعلنت طوكيو زيادة تشغيل محطات الكهرباء العاملة بالفحم لتعويض أي اضطرابات في إمدادات الغاز الطبيعي المسال، الذي يشكل نحو 30% من مصادر توليد الطاقة لديها. كما اتخذت خطوة هي الأكبر في تاريخها بسحب 54 مليون برميل من احتياطاتها النفطية الاستراتيجية، ويأتي ذلك بعد تحرير احتياطات كانت موجودة لدى القطاع الخاص، والتي بحسب التصريحات الرسمية تكفي لـ 15 يوماً، وهو ما يعكس حجم القلق من اضطراب الأسواق العالمية.
اقتصادياً، يكشف هذا التحرك عن هشاشة وضع اليابان أمام أي تصعيد في منطقة الشرق. فالاعتماد الكبير على النفط القادم من المنطقة، يجعل أي تهديد للملاحة في مضيق هرمز بمثابة تهديد مباشر للاقتصاد الياباني. الزيارة التي كانت تهدف أساساً إلى مناقشة الاستثمار الياباني في الولايات المتحدة، بما في ذلك تعهد بضخ 550 مليار دولار في الاقتصاد الأمريكي وفقاً للاتفاق التجاري، بهدف خفض الرسوم الجمركية التي فرضها ترامب على اليابان، تأثرت بشدة بالتطورات العسكرية. فبدلاً من التركيز على المشاريع الاقتصادية، وبناء محطات طاقة تعمل بالغاز، هيمنت قضية مضيق هرمز، والضغط الأمريكي لإرسال قوات بحرية على جدول الأعمال. وأصبحت مهمة تاكايتشي الأساسية، هي تجنب إحراج دبلوماسي علني مع الحفاظ على العلاقات مع واشنطن.
كما أظهرت بعض المواقف خلال الزيارة حجم التوتر الكامن في العلاقة الثنائية، خصوصاً بعد التصريحات التي أدلى بها ترامب خلال المؤتمر الصحفي، حين استشهد بهجوم بيرل هاربر الذي نفذته اليابان في الحرب العالمية الثانية على القاعدة والأسطول الأمريكي، لتبرير عنصر المفاجأة في العمليات العسكرية، وهو ما أثار استياءً في الأوساط اليابانية. كذلك حملت زيارة تاكايتشي لمقبرة أرلينغتون ووضعها إكليلاً من الزهور رمزية سياسية حساسة، وهي مقبرة وطنية وعسكرية أمريكية تأسست خلال الحرب الأهلية، وتضم جنوداً أمريكيين من مختلف الحروب وشخصيات بارزة أبرزها: الرئيس كينيدي.
في البعد الاستراتيجي، تتزايد مخاوف اليابان من أن يؤدي تركيز الولايات المتحدة على غرب آسيا إلى تقليص حضورها العسكري في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، وهو ما قد يضعف قدرة طوكيو على مواجهة التحديات المرتبطة بالصين وكوريا الشمالية. ويأتي ذلك في وقت أثارت فيه تصريحات يابانية سابقة بشأن تايوان، جدلاً حول مدى التزام واشنطن بالدفاع عن حلفائها في المنطقة.
في المحصلة، تعكس زيارة رئيسة الوزراء اليابانية حالة اليابان نفسها: دولة مرتبطة استراتيجياً بالولايات المتحدة، لكنها تواجه واقعاً دولياً متغيراً يفرض عليها إعادة تقييم أولوياتها. فالتصعيد في الشرق الأوسط يضغط على الاقتصاد الياباني، ويهدد أمن الطاقة، بينما تثير سياسات واشنطن تساؤلات حول مدى الاعتماد على المظلة الأمنية الأمريكية. وبين هذين العاملين، تجد طوكيو نفسها مضطرة إلى اتباع سياسة توازن دقيقة، تحافظ من خلالها على تحالفها مع الغرب، دون الانجرار إلى صراعات قد تضر بمصالحها الحيوية.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1271
معتز منصور