كيف استعدت الصين للاضطراب في أسواق النفط العالمية؟
معتز منصور معتز منصور

كيف استعدت الصين للاضطراب في أسواق النفط العالمية؟

تُشكل التداعيات المتصاعدة للحرب الأمريكية-«الإسرائيلية» على إيران اختباراً استراتيجياً حقيقياً لأمن الطاقة الصيني، حيث تجد بكين نفسها في قلب المعادلة العالمية كأكبر مستورد للنفط في العالم، أمام تهديد مباشر يتمثل في احتمال انقطاع التدفقات عبر مضيق هرمز الذي يعبره ثلث النفط الخام المنقول بحراً و20% من الاستهلاك العالمي. ورغم الخطورة البالغة لهذا السيناريو، الذي وصفته وكالة الطاقة الدولية بأنه قد يتسبب في «أكبر تعطل للإمدادات في تاريخ سوق النفط العالمية»، فإن الصين لم تنتظر الحدث، بل سبقته بعقدين من الاستثمار المكثف في بدائل الطاقة، وبناء مخزون استراتيجي هائل.

نجحت بكين في تجميع احتياطي نفطي قياسي يتراوح بين 1.1 و1.3 مليار برميل، تشمل الاحتياطي الاستراتيجي والمخزونات التشغيلية، وهو ما يعادل المخزون الاستراتيجي لدول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية تقريباً، إذ يبلغ أعضاء المنظمة 32 دولة ولديهم أكثر من 1.2 مليار برميل في مخزونات الطوارئ العامة، وهو ما يمنح الصين هامش أمان يغطي الانقطاع الكامل لواردات النفط من الشرق الأوسط لمدة تقارب ستة أشهر، وفقاً لتقديرات خبراء معهد الاقتصاد والتكنولوجيا التابع لشركة البترول الوطنية الصينية. ولم تعتمد الصين على التخزين فحسب، بل عملت على تنويع مصادر وارداتها لتقليل الاعتماد على الممرات البحرية المحفوفة بالمخاطر، حيث ارتفعت مشترياتها من النفط الخام في بداية عام 2026 بنسبة 16%، مع تحول ملحوظ نحو روسيا التي باتت مصدراً لـ 17.4% من وارداتها، بالإضافة إلى الاعتماد على خطوط الأنابيب البرية والتنويع في الطاقة المتجددة. إلى جانب أن النفط لا يمثل سوى 18.2% من استهلاك الطاقة الكلي في الصين. هذا التحول المدروس جعل اعتماد الصين على مضيق هرمز يقتصر الآن على حوالي 40% إلى 50% من واردات النفط المنقول بحراً، ولا يمثل سوى 6.6% من إجمالي استهلاك الطاقة في البلاد، مدعوماً بتفوق تكنولوجي في صناعة السيارات الكهربائية التي تشكل 70% من إنتاج العالم، مما يقلل من حدة الصدمة. ومع ذلك، تظل التحديات قائمة، فاعتماد الصين على المصادر الأجنبية لا يزال يتجاوز 70% من احتياجاتها النفطية، وتبقى عرضة لتقلبات الأسعار وتكاليف الشحن، وهو ما يجعلها في حالة تأهب دائم رغم مناعتها النسبية مقارنة بأوروبا وآسيا.


تايوان واستقرار امدادات الطاقة


في خضم هذه التطورات، تبرز قضية تايوان كإحدى الأوراق التي تسعى الصين لتوظيفها ضمن استراتيجية أمن الطاقة، وإن لم تكن مبادرة حكومية رسمية معلنة بوضوح، إلا أن الفكرة المطروحة تدور حول ضمان تدفق الطاقة للجزيرة مقابل قبولها الانضواء تحت الحكم الصيني. ورغم أن هذا الطرح اصطدم برفض تايواني متوقع، وتصميم على الاستقلالية في أمن الإمدادات، حيث أمنت تايوان إمدادات بديلة تكفي لأشهر مقبلة من مصادر، منها: الولايات المتحدة.
تكمن أهمية هذه المقاربة في أن تايوان تعتمد بشكل شبه كامل على الاستيراد لتأمين احتياجاتها من الطاقة، وكانت تستورد ثلث احتياجاتها من الغاز الطبيعي المسال من قطر. التلويح الصيني بهذه الورقة يظهر هشاشة آمن الطاقة بالنسبة للجزيرة، وكذلك يبعث بإشارة، أن حصار الصين، أو محاولة خنقها من خلال قطع امدادات الطاقة سيشمل أيضاً تايوان.


الموقف الصيني من الحرب


أما على الصعيد السياسي والاستراتيجي المباشر للحرب، فإن موقف الصين يتسم بالتوازن الدقيق والواضح في جميع القضايا العالمية، وهو الدعوة الى خفض التصعيد والتفاوض، ولكن هذا لا يعني مساواة بين أطراف الصراع، فالصين ترى أن الولايات المتحدة الأمريكية وسياساتها العالمية لا تساهم في الاستقرار والتعاون، ولذلك فإن من مصلحة الصين استنزاف قدرات واشنطن العسكرية، وانكشاف نقاط ضعفها أمام خصم بحجم إيران، بل وتعرضها لخسائر. والحديث عن مساعدة الصين غير المباشرة في الحرب في هذا الإطار أمر منطقي جداً، وهذا ما قد يلجم الأمريكيين عن التورط في حماقة عسكرية مباشرة مع الصين، كذلك فإن الصين ترى بسقوط إيران وتفتيتها- أو تحولها إلى دولة تابعة للولايات المتحدة الأمريكية- كخسارة استراتيجية كبرى، نظراً لأهمية إيران كشريك في مبادرة الحزام والطريق، وكعضو فاعل في منظمة شنغهاي للتعاون، ومجموعة «البريكس» منذ 2024 و2023 على التوالي. وتعتبر الصين الشريك الاقتصادي الأهم لإيران، حيث تشتري نحو 90% من الصادرات الإيرانية التي تبلغ 1.6 مليون برميل يومياً «هناك تقارير تفيد بان الرقم أكبر من ذلك، ولكن يجري بيعه عبر وسطاء تفاديا للعقوبات»، مما يوفر لطهران عشرات المليارات من الدولارات سنوياً، ويدعم حليفاً استراتيجياً في وجه العقوبات. لذا، فإن الموقف الرسمي الصيني يدعو بوضوح إلى وقف العمليات العسكرية، والعودة إلى طاولة المفاوضات، لإيجاد حلول سلمية، مع التأكيد على تثبيت حقوق إيران بما في ذلك حقها في تخصيب اليورانيوم الذي تعترف به بكين. وتكمن أهمية الموقف الصيني ليس فقط من أجل الحفاظ على استقرار تدفقات الطاقة العالمية، ولكن يمتد إلى مساعيها المشتركة مع موسكو لضرب المخططات الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط، التي تدفعها التطورات الموضوعية- ومصالح دول وشعوب المنطقة- للذهاب إلى تحالفات أوسع، بين دول المنطقة وبينها، وبين القوى الصاعدة، وهذا بالضبط ما تسعى الولايات المتحدة و«إسرائيل» لتعطيله وصولاً- إن استطاعوا– إلى تدمير المنطقة، ونشر الفوضى في عموم آسيا الوسطى، الممتدة إلى حدود الصين وروسيا، لذلك فان الموقف الصيني ينطلق من المستوى القريب، وصولاً إلى المخاطر الاستراتيجية، ويبدو أن القوى الصاعدة قد أعدّت نفسها للتعامل مع هذه الأزمات، كما أن الصين استعدت لأزمات تدفقات النفط.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1270