مهلاً... «الانشقاقات» لم تحدث في إيران، بل بدأت في واشنطن نفسها!

مهلاً... «الانشقاقات» لم تحدث في إيران، بل بدأت في واشنطن نفسها!

كان الرهان في واشنطن وتل أبيب منذ اللحظة الأولى لانطلاق الحرب الأمريكية «الإسرائيلية» على إيران في 28 شباط يقوم على تفجير الداخل الإيراني، عبر دفعه نحو انطلاق موجة من التظاهرات والانقسام السياسي وانهيار النظام، لكن ما حدث فعلياً، وما تظهر مؤشراته حتى الآن، أن الأمور تمضي في الاتجاه المعاكس تماماً: تماسك في البنية الإيرانية، مقابل مؤشرات لتصدعات واضحة داخل البنية السياسية والأمنية الأمريكية نفسها، وداخل إدارة ترامب وقاعدته، وهذه المفارقة لا تعد تفصيلاً عابراً، بل تشكل أحد أهم مفاعيل الحرب الجارية حتى الآن.

صراع حاد في الكونغرس


الحرب الجارية تحولت سريعاً إلى أزمة سياسية مفتوحة داخل الولايات المتحدة، فالقرار الذي اتخذه دونالد ترامب بشن ضربات واسعة على إيران، دون تفويض جديد من الكونغرس، صدْر إلى الواجهة سؤالاً عن «صلاحيات الحرب» كعنوان لمواجهة سياسية– دستورية في آن واحد، وصولاً لإجراء تصويت داخل الكونغرس على مشروع قرار يهدف لتقييد صلاحيات الرئيس عسكرياً، ورغم أن القرار لم يمرر أثناء التصويت بفارق ضئيل، 219 صوتاً مقابل 212، كان الأهم، هو ما كشفه من انقسام فعلي داخل الحزبين التقليديين الجمهوري والديمقراطي، وليس فقط بينهما.
الديمقراطيون تبنوا موقفاً شبه موحد ضد الحرب، واعتبروها «حرياً اختيارية» غير دستورية، فيما بدأ عدد من الجمهوريين، وإن كان بشكل بحدود، بإظهار مواقف تململ من تعدٍّ للسلطة التنفيذية على التشريعية، ومن غياب استراتيجية خروج واضحة من الحرب، وعدم وضوح أهدافها، وهذا التململ لا يزال في بدايته، لكنه مرشح للتصاعد مع ارتفاع الكلفة البشرية والمالية للحرب.


اعتراض من داخل البنية الأمنية


الحدث الأبرز والأكثر دلالة، كان استقالة جو كينت، مدير مركز مكافحة الإرهاب في الولايات المتحدة، وهي خطوة غير مسبوقة من داخل قلب المؤسسة الأمنية... كينت لم يكتفِ بالاستقالة، بل قدم رواية مضادة بالكامل للرواية الرسمية: فإيران، وفقاً له، لم تكن تشكل «تهديداً وشيكاً»، ويؤكد أن الحرب جاءت نتيجة ضغوط خارجية، وإشارة واضحة ومباشرة إلى الدور «الإسرائيلي» واللوبي الصهيوني داخل واشنطن، وخطورة هذه الاستقالة لا تكمن فقط في مضمونها، بل في موقع صاحبها، الذي ينتمي أصلًا إلى معسكر ترامب السياسي، وهو الذي كان قد عيّنه في منصبه أساساً، ما يعني أن التصدع بات داخل «المعسكر الواحد»... وإذا ما أردنا استخدام لغة الأمريكي نفسه في التوصيف، فهذه الاستقالة تمثل أول «حالة انشقاق أمنية عن النظام الأمريكي»! فضلاً عن «الانشقاقات السياسية».

هذا التصدع يتجلى بشكل أوضح داخل حركة «ماغا» نفسها، فالحرب فتحت انقساماً بين جناحين: جناح تقليدي يميل إلى التدخل العسكري، ويبرر الحرب باعتبارها ضرورة أمنية، وجناح «أمريكا أولاً» الذي يرى فيها خيانة مباشرة لوعود ترامب وحملته بإنهاء الحروب الخارجية، والتركيز على الشؤون الداخلية، وخرجت شخصيات بارزة، مثل: مارجوري تايلور غرين، وتاكر كارلسون، اللذان كانا جزءاً أساسياً من حركة ماغا، وداعماً إعلامياً كبيراً في انتخابات ترامب، بانتقادات حادة، وصلت إلى حد اعتبار ما يجري «حرباً لغير مصلحة أمريكا» وتضع «إسرائيل» أولاً.

هذا الانقسام داخل «القاعدة الترامبية» قد يكون الأخطر سياسياً عليه، لأنه يضرب الأساس الذي بُني عليه المشروع السياسي لترامب نفسه، فالرجل الذي قدم نفسه كـ «رئيس السلام» يجد نفسه اليوم يقود حرباً مفتوحة في غرب آسيا، بما يعنيه ذلك من تناقض بنيوي مباشر مع خطابه السابق، فضلاً عن فشل العديد من الأهداف السابقة المعلنة، ومنها: إنهاء الحرب في أوكرانيا، والعملية العسكرية في فنزويلا.


استقطاب شعبي واسع


على المستوى الشعبي، الصورة لا تقل تعقيداً، فاستطلاعات الرأي تظهر دعماً محدوداً للحرب مقارنة بحروب سابقة، ربما هو الأدنى تاريخياً، فالأغلبية تميل إلى رفضها والتشكيك بجدواها بالنسبة للولايات المتحدة، والأهم، أن هذا الرفض لا يقتصر على الديمقراطيين، بل يمتد إلى شريحة واسعة من الجمهوريين، والناخبين الذين صوتوا لترامب نفسه، وهذه الشريحة، حتى وإن كانت أقلية، قد تكون حاسمة في انتخابات التجديد النصفي المقبلة.
العامل الاقتصادي يزيد من حدة هذه التداعيات، فارتفاع أسعار الوقود بشكل سريع، وعودة الضغوط التضخمية، يضعان الحرب في صلب الحياة اليومية للأمريكيين، لا كحدث خارجي غير معنيين به، بل كعبءٍ داخلي مباشر، مما دفع لخروج عدة مظاهرات متفرقة وجزئية تنديداً بالحرب الجارية، ومع الحديث عن طلب تمويل قد يصل إلى 200 مليار دولار، بدأت أصوات داخل الكونغرس، من الحزبين، بطرح سؤال عن الكلفة بجدية أكبر، مع ضغوط ومحاولات لعدم تمرير المبلغ.
ضمن كل ذلك، وبالتوازي معه، يتصاعد أيضاً الحديث حول دور «إسرائيل» داخل القرار الأمريكي منذ بدء الحرب، ليأتي موقف كينت وتصريحاته، وتردادها داخل بعض أوساط اليمين، لتعكس اتساع مساحة الشك في أن واشنطن تنجر إلى صراعات لا تخدم مصالحها المباشرة، ورغم أن هذا لا يعني انقلاباً شاملاً في الموقف من «إسرائيل» بعد، لكنه مؤشر على تآكل تدريجي ومتصاعد في الإجماع التقليدي لدعمها، خصوصاً داخل الأجيال الأصغر، وبعض التيارات الشعبوية، بما يعنيه الأمر من ارتدادات خطيرة على «إسرائيل» نفسها من قبل أهم وأكبر حلفائها التقليديين.

 

جبهتان: خارجية وداخلية


إجمالاً، يمكن القول: إن الحرب على إيران لا تعيد فقط رسم خرائط القوة في غرب آسيا، خصوصاً أنّه من الواضح أن هذه الخرائط لا تسير لمصلحة الولايات المتحدة، بل تعيد أيضاً تشكيل التوازنات داخل الولايات المتحدة نفسها: الانقسام في الكونغرس، التصدع داخل «ماغا»، الاستقالة من داخل المؤسسة الأمنية، والسخط الشعبي المتزايد، كلها مؤشرات على أزمة مرشحة للتفاقم لتطال البنية السياسية الأمريكية كلها.
وإذا استمرت الحرب، وارتفعت كلفتها، فإن هذه التصدعات قد تتحول إلى شرخ سياسي أعمق، يضعف قدرة الإدارة على الاستمرار، ويجعل من الداخل الأمريكي ساحة موازية للصراع، لا تقل أهمية عن الجبهات العسكرية في الخارج، بل قد تكون الجبهة الحاسمة في نهاية المطاف.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1270