لعب أقل وعمل أكثر...
أوديت الحسين أوديت الحسين

لعب أقل وعمل أكثر...

يقول الساخر مايكل تومسون، بأنّ ألعاب الفيديو مثل الدعاء أثناء الصلاة: «كلّما كان أقلّ تحديداً، كان واعداً أكثر».

يتم عادة الإعلان عن لعبة قبل أعوام من إطلاقها الفعلي، ويتم ذلك في الغالب دون حتّى صورة غلاف، أو تقديم فيديو «لمتابعي الألعاب الحديثة: كان الإعلان عن لعبة إله الحرب المتوقع إطلاقها هذا العام مجرّد عنوان وخلفيّة موسيقا». ثمّ يفيض يوتيوب بالأحاديث والتوقعات، ليشجع مطورو اللعبة الأمر بتسريب بعض الصور للمعلنين والصحفيين.
يُدعى هذا الأمر «دورة الدعاية Hype Cycle»، وهي ناجحة لسبب بسيط: اللاعبون يحبونها. يبدو أنّ تخيّل اللعبة أمر مشوّق بقدر لعبها، فهو يقدّم للاعبين نوعاً من الطمأنة بأنّ ما ينتظرونه جدير بانتظارهم. كما أنّها طريقة زهيدة الثمن نسبياً لاستطلاع الرغبات والآراء قبل طرح المنتج فيما إن كان هناك مجال للتعديل.
يجعلنا هذا نتساءل عن الأشخاص الذين يطورون ويصممون الألعاب: هل هم كائنات سماوية ودودة تستجيب لأمنياتنا؟ أم أنّهم مجرّد أشخاص بنظارات سميكة يكرهون اللعب، ويؤدون عملاً جامداً وحسب؟ حسم الخبير في ألعاب الفيديو جيسون شراير في مقال في بلومبيرغ قائلاً: «مطورو الألعاب ليسوا آلهة. إنّهم بشر، عمّال، حالمون يقومون بالصلاة والإثم مثلي ومثلك».
إذاً، هؤلاء العمّال، الذين يتم بشكل منهجي القضاء على الفاصل بين وقت فراغهم وعملهم بإجبارهم على العمل لـ 15 ساعة مقابل الجلوس في مكان فيه كرسي هزاز وطاولة بينغ بونغ، والذين يتم فصلهم بثلاث دقائق، وإعادة توظيفهم بثلاث دقائق، ما هو المطلوب منهم فعله؟
الجواب المنطقي: إنتاج لعبة ذات شعبيّة تحقق أرباحاً كبيرة. هذا جواب صحيح، لكنّه ليس الجواب الأصح، وليس الجواب الكامل.
كتب أدورنو وماكس هوركهايمر في 1944: «التسلية في ظلّ الرأسمالية المتأخرة هي إطالة أمد العمل». لاحظ المتخصص بدراسة ألعاب الفيديو ستيفن بول في 2008 بأنّ ألعاب الفيديو الحديثة: «تبدو وكأنّها تطمح إلى محاكاة مسار العمل بذاته». نتعلّم قواعد اللعبة وننضبط وفقاً لما تمليه، فنتلقى ردود فعل إيجابية لاتباعها بكفاءة. نحن لا نلعب اللعبة، ناهيك عن هزيمتها، نحن نجري العمليات التي طلبتها منّا، مثل موظف مطيع. اللعبة في الحقيقة لم تكن أكثر من مهمّة عمل».
ألعاب «اللاعب المنفرد» التي تحوي شخصاً يمثّلك، وفيها الكثير من الأسلحة والترقية، والمهارات التي يجب اكتسابها ببذلك «الجهد الجاد»، والعملات التي يجب إنفاقها لهذا الغرض، هي تكرار نموذجي للظاهرة التي نعيشها: السوق والعمالة. جميع الألعاب المعاصرة تحوي على عناصر تحاكي السوق والعمالة.
لا تقدّم ألعاب الفيديو طرقاً تخيليّة حرّة للهرب والفوز، بل أوهاماً مضبوطة بقواعد تحاكي مسار العمل المأجور المعاصر. أطلق فيكي أوسترويل على هذا النوع من الألعاب اسم: «محاكاة العمل المثالية»، فهي توزّع المكافآت مقابل جهودنا المنضبطة، وهذه المكافآت هي من تجعل اللعبة أسهل وتسمح لنا بشراء مجموعة من الأغراض داخل اللعبة، والتفاخر أمام الآخرين بإنجازاتنا بمشاركتها معهم على وسائل التواصل الاجتماعي، والاستمرار بالتقدم ضمن مسار منطقي معدّ مسبقاً يوصلنا إلى الهدف.
الألعاب شكلٌ من أشكال الإلهاء، أو ربّما الكلمة الأصح: شكلٌ من أشكال التعمية. إنّها تعمينا بالإيديولوجيّة التي تبيعنا إياها ليس عن عمالتنا، بل عمّا يصاحبها من خيبة وتقلّب ولا مساواة وقسوة وظلم.
صاغت الصحفيّة سيسيليا دي.أناستازيو الأمر بأفضل ما يكون: «يستخدم العمّال ألعاب الفيديو لتحريك أشباح عمالتهم اليومية». يقضي سائق شاحنة عطلة أسبوعه وهو يقود شاحنة افتراضية ليوصل شحنة يحصل مقابلها على هديّة لم يحصل عليها أثناء عمله. تترك الأمّ أطفالها جياعاً في المطبخ لتلعب لعبة الطبخ المحاكي وتضع بصماتها على طبخة افتراضيّة لم تتمكن في الواقع من الحصول على مكوناتها باهظة التكاليف.

عالم لا معنى فيه

تعوضنا اللعبة عن فقداننا للسيطرة، وعن أهدافنا الضبابية، وتمنحنا تعويضاً عن غياب المعنى في حياتنا. بهذا المعنى، تبقى الألعاب نوعاً من «الاستجابة للدعاء»، نوعاً من الأماني الخيالية التي تمكنت الرأسمالية من إدراكها. إنّها حلم تافه تجعلنا نقبل التصالح مع الأكاذيب التي لم نكن لنقبلها دونها.
لا يجب أن ننسى أنّ الكثير من الألعاب الأكثر شيوعاً تحاكي بشكل واقعيّ للغاية القتل. كتب توم بيزل عن ألعاب «مطلق النيران» مثل «كول أوف ديوتي» أو «فايس سيتي»: «إنّها تكشف بأنّ هناك شيئاً بداخل كلّ إنسان هو ظلّ هذا الإنسان. هذا الظلّ يقتل ويشنّع ويفعل كلّ ما يحلو له». هذا الألعاب التي تعيد صياغة القتل وتمنح اللاعب مكافأة على قضائه على أعدائه، أو حتّى على قتله «عاهرة افتراضية» من أجل استرداد المال منها، هي بالتأكيد ذات أبعاد إيديولوجيّة. أن يكون العالم للأقوى، حلم رأسمالي مكرر في الكتب والأدبيات وأفلام الأكشن، لكن في ألعاب الفيديو، حيث يكون دورك أكثر من متفرّج، يصبح الرهان أعلى.
من خلال حشد وتعبئة الأمزجة والتأثيرات المختلفة عن الهيمنة، ومن بينها خيالات السيطرة، والمنافسة المطلقة، تمكنت ألعاب الفيديو من هيكلة التكرار اللازم للتعلّم وإطلاق جموح المنافس داخلنا، وقبول الضجر والإحباط اللازمين لتحمّل العيش في ظلّ هذا الوضع الاقتصادي».
يمكننا في أماكن العمل أن نرى تطبيق هذه الألعاب ولو بشكل بدائي، من خلال «موظّف الشهر»، أو بشكل احترافي، مثل: منح النقاط مقابل إتمام المهام بأوقات محددة تدريجية، وذلك كلّه في سبيل تعويد الموظفين على ساعات العمل البدني والعقلي الطويلة، وربطها «بإنجازات» تنافسيّة. لوحات النقاط وموظف الشهر هذه، هي ذاتها نقاط نهاية الجولة التي تسمح لك بالتأهل للجولة التالية فقط في حال كنت من «المختارين» الأوائل.
يقول فريدريك شيلر: «إذا آمنّا بأنّ اللعب هو التعبير الأنقى عن الحرية الإنسانية، فعلينا أن نؤمن بأنّ العمل المفروض علينا من قبل آخرين أو التعبير الأنقى عن فقدنا للحرية». إن كانت ألعاب الفيديو لعباً، فهي تعبير عن أعلى قدراتنا كبشر، فهي تجسّد حبنا للحرية والخيال والرحلة الإبداعية. لكن إن كانت ألعاب الفيديو عملاً – هذا ولم نتطرّق إلى تحويلنا إلى عمّال غير مأجورين عند استخدام اللعب والتطبيقات الأخرى – كما يظهر لنا في اللحظات التي يصبح فيها التكرار غير قادر على التغطية على نقص المتعة، يصبح تعلقنا في اللعبة أمر اً كئيباً بحق، إضافة لإشاراته بأننا في أقصى حالات انعدام الحريّة.
وبالعودة إلى الصراع بين ستوديوهات تطوير الألعاب، والمطورين، يذكرنا جيسون شراير بأنّ هؤلاء العمّال فنانون محبوسون في مهمّة جني المال وتبشيرنا بالخلاص الرأسمالي. يقول: «صناعة ألعاب الفيديو، مثلها مثل بقية الأنشطة الفنيّة، مبنية على التوتر بين طرفين: المبدعون وأصحاب المال. والنزاع بين من يريد خلق الفن، وبين من يريد تحقيق الربح قديم بقدم ألعاب الفيديو نفسها».
تعكس ألعاب الفيديو، مثلها مثل أيّ منتج يبدعه بارعون وتسلّعه شركة، ظروف الإنتاج الحالي. إنّها نسخة مصغرة بشكل ممتاز عن ظروف عمل القرن الحادي والعشرين.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1028
آخر تعديل على الإثنين, 26 تموز/يوليو 2021 12:15