«الجيش الذي لا يقهر» خسر  معركة جديدة… فماذا بعد؟

«الجيش الذي لا يقهر» خسر معركة جديدة… فماذا بعد؟

على الرغم من الإعلان عن وقف إطلاق النار بين فصائل المقاومة الفلسطينية في غزة والاحتلال الإسرائيلي، لم تتوقف الحركة الشعبية التي شملت كامل الأراضي المحتلة، والتي جاءت تعبيراً صادقاً عن رفض الفلسطينيين للاحتلال، ورفضهم لكل من ساوم على القضية باسمهم، وإن كنا لا نزال في بداية مرحلة جديدة، فإنه لزامٌ علينا محاولة قراءة مقدماتها وملامحها، ووضع التصورات الأولية لما ستحمله فصول الصراع القادمة.

واحدة من ميزات التاريخ الكثيرة، هي قدرته على تقديم إجابات لبعض المسائل المطروحة في الحاضر، وهذا ما يفسر ذلك الهجوم الشرس الذي يتعرض له تاريخ منطقتنا، وتحديداً ذلك الجزء المرتبط بمقاومة الاستعمار الغربي، وهذا التشويه يستهدف أيضاً تاريخ القضية الفلسطينية منذ النكبة وحتى اللحظة. وتشويه تاريخنا يعني بالضرورة تبييض تاريخ الغزاة، فالكيان الصهيوني قدّم روايته لما حصل وجرى صياغتها والدفاع عنها وتلميعها. فكان مضطراً منذ نشأته لتقديم رواية تاريخية وسياسية تبرر وجوده، وكان معنياً في الوقت نفسه أن يقدم «برنامجاً سياسياً» للمهاجرين الذين قدموا كجزء من خطة الاستيطان الصهيوني، ووضعت «مشكلة سكان الأرض الأصليين» على رأس البرنامج السياسي، والتي شهدنا تنفيذها خلال كل العقود الماضية. فالكيان عمل على القتل والتهجير القسري، ومن ثمّ تفريق الشعب الفلسطيني بين الداخل والخارج، وبين حملة الجنسية «الإسرائيلية» وغيرهم من الفلسطينيين الذين استطاعوا الحفاظ على جنسيتهم. فالاحتلال في الواقع واجه مشكلة أساسية منذ بدايته، وهي أنه محكومٌ بتصفية القضية الفلسطينية عبر تصفية كل من يتبناها فعلياً. لكنه وعلى الرغم من محاولاته الكثيرة، فشل في تأمين هذا الشرط الضروري لبقائه، وهذا ما يفسر جزءاً أساسياً من أزمة الكيان الوجودية.
عمل الكيان على تصوير جيشه بأنه قوةٌ لا تقهر، وبأن دولته باقية استناداً لهذه القوة النوعية تحديداً. فالكيان، وعلى الرغم من أزمته والضربات التي تلقاها يتمسك بأسطورة الجيش الذي لا يقهر، لأنه الدعامة التي يُبنى عليها كل شيء آخر، واعترافه بأنها أسطورة، أو ذكرى مضت، يعني بالضرورة اعترافه بأن وجوده بحد ذاته بات على المحك.

سلاح الكذب والمراوغة

يحاول الجزء الأكبر من الماكينة الإعلامية للاحتلال «الإسرائيلي» وصِبيتها في المنطقة العربية، تصوير أن المعركة الأخيرة انتهت بانتصار الكيان على أعدائه الذي يحاول حصرهم بـ «حماس» وحدها، وهذا سلوك متوقع وطبيعي، فالخسائر المتكررة تثبت الشك بقدرات الكيان العسكرية. لذلك لجأ الكيان لتصوير نفسه متفوقاً منتصراً دائماً، وفي الحقيقة، غطّت هذه «الجعجعة غياب الطحين» لوقتٍ من الزمن، وحاول تضليل الرأي العام لا على المستوى العربي فحسب، بل تحدياً في داخل الكيان. فيجري في وسائل الإعلام نقاش مُطول توضع فيه خسائر غزة في مقابل خسائر الكيان في جدول يُسطّح طبيعة الصراع، ويحصرها بما ينتج عنه من خسائر في الأرواح والمباني، وعلى هذا الأساس تظهر «إسرائيل منتصرة» لا في حروبها في غزة، بل في حرب 2006 مع حزب الله أيضاً. لكن نتائج هذه الحروب لا تقاس بخسائرها أبداً، فالخسائر المادية والجسدية مستمرة منذ الاحتلال ولم تتوقف، لا بل ما يغيب عن الذهن اليوم، أن صاروخاً واحداً يخرج من غزة إلى المستوطنات يُعد خسارة بالنسبة للكيان. ولا يقوم هذا الاستنتاج على أساس رفع الروح المعنوية عبر تضخيم أثره، بل على العكس، فهو يستند إلى حقيقة لا يمكن إنكارها، حقيقة بسيطة موجودة في التاريخ القريب جداً، تاريخ انسحاب الكيان من غزة.

لماذا انسحب الكيان من غزة؟

وقعت غزة تحت الاحتلال «الإسرائيلي» المباشر كنتيجة لنكسة 1967 وبدأت تعامل كغيرها من الأراضي الفلسطينية المحتلة، وعمل الكيان على بناء المستوطنات فيها وإقامة الحواجز والثكنات العسكرية، وعبر تحويلها إلى أحياء عربية محاصرة بمستوطنات صهيونية، ومعزولة عن بعضها البعض، بشكل يقارب سياسة الكيان في الضفة الغربية اليوم. لكن ما جرى أن مقاومة شعبية شديدة في القطاع جعلت من تأمين هذه المستوطنات أمراً بالغ الصعوبة، لا بل إن بعض المصادر تتحدث عن أن تأمينها بات أشبه بحالة استنزاف للكيان، وخصوصاً أن التواجد الفلسطيني الكثيف في القطاع كان يجعل من إخضاعه أمراً مستحيلاً، لذلك بدأ رئيس الوزراء الصهيوني أرييل شارون، بالترويج لخطة الانسحاب من القطاع. وعمل شارون وقتها على تصدير هذه الخطة بوصفها «نجاحاً إسرائيلياً»، وقام بالترويج على أساس أنها خطوة لاحتواء غزة، تقوم على حصارها وتضييق الخناق عليها، وتضمن أمن «دولة إسرائيل». وتسمح للكيان بالتحرك بنقل تركيزه باتجاه الضفة الغربية.
وفي أثناء ترويج شارون لهذه الخطة كان يكرر دائماً أن «هذه الخطوة تجري من موقع القوة وليس الضعف»، فكانت الرواية الصهيونية تقوم على أساس أن الانسحاب من القطاع سيسهل احتواءه أكثر، ويقلل خسائر الكيان الكبيرة التي تكبدها في تأمين مستوطناته في غزة، ونظراً لأن «إسرائيل دولةٌ لا تقهر» كانت هذه الرواية مقبولة حتى لدى أوساطٍ فلسطينية وعربية، وحاول البعض التحذير من أن ما يقوم به الكيان هو تكتيك جديد لن يغير من واقع الاحتلال، وما هو إلّا إعادة للتموضع لا أكثر. ولذلك غابت صور المستوطنين الذين جرى إخلاؤهم، وغابت عمليات الإخلاء القسري التي فرضها الجيش على من رفض هذه الخطة، وانسحب الاحتلال في 15 آب 2005 ومشى الفلسطينيون مجدداً على أنقاض المستوطنات التي اغتصبت منهم وحرّمت عليهم قبل أيامٍ قليلة.

«فترة الهدوء»

في أثناء عملية التحضيرات للانسحاب، وفي كلمة ألقاها دان هاريل، وهو أحد قادة جيش الاحتلال على جنوده قبل انسحابهم من القطاع قال فيها: «آمل أن يكون خروج قواتنا من قطاع غزة بمثابة بداية فترة من الهدوء»، لكن الاحتلال خسر الرهان مجدداً، فانسحب من القطاع أملاً في حماية نفسه من ضربات المقاومة الفلسطينية، ليجد نفسه أمام مقاومة أشد، وأكثر تنظيماً استطاعت تحويل كامل أراضي القطاع إلى منصات لاستهداف الكيان، وإنْ كان الغرض الحقيقي من الانسحاب هو عجز الاحتلال عن احتواء المقاومة الفلسطينية، والتكلفة الباهظة لحماية المستوطنات في القطاع، استطاعت المقاومة الفلسطينية اليوم البقاء على الرغم من الحصار الشديد، واستطاعت تطوير وتنظيم قدراتها العسكرية، لتنجح بتوسيع دائرة الاشتباك لتشمل مستوطنات أخرى خارج القطاع، وتنجح في استهداف تل أبيب وغيرها من مدن الكيان الحيوية. فالكيان الصهيوني انسحب من قطاع غزة خاسراً، وفشلت خطته البديلة القائمة على الانسحاب وخنق الفلسطينيين داخل القطاع. ولهذا لا يُحب قادة الكيان اليوم استعراض الحجج التي برروا من خلالها انسحابهم من غزة، فهي تُظهر اليوم أنهم كانوا يتلقون الضربات منذ ذلك الوقت، لكن تضليلهم الشديد أخّر ظهور هذه الحقيقة.

دور سلطة أوسلو اللاحق

شكّل الانسحاب من القطاع أزمة حقيقية، وتحديداً عندما وُضع احتمالٌ على الطاولة بأن تتحول الضفة الغربية لـ «قطاع غزة» جديد، أي: أن تصبح الضفة منصة لمقاومة شعبية مسلحة توجه الضربات المتتالية باتجاه الكيان، ليضطر للتعامل مع جبهتين لا يمكن التعامل معهما بالطرق العسكرية التقليدية، بالإضافة إلى انتفاضة فلسطينية شعبية تشمل القدس وكل المناطق الواقعة تحت السيطرة الصهيونية المباشرة– وهو ما شهد الكيان بروفا أولية له في الأحداث الأخيرة في اللد وغيرها– وهنا لعبت سلطة أوسلو دوراً محورياً في ضرب هذا الاحتمال، فالحل الصهيوني الوحيد لمنع أية مقاومة شعبية في الضفة، هو بقاء سلطة أوسلو وبقاء التنسيق الأمني، والحفاظ على الانقسام الفلسطيني، أي: عبر خنق الفلسطينيين بأيادٍ فلسطينية، وهو ما جرى في الفترة الماضية، فالتوسع الصهيوني داخل الضفة وكل الممارسات الجارية على الأرض، لم تكن لتمر لولا خضوع سلطة أوسلو، التي حاولت إجبار الفلسطينيين لأن يسلكوا طريق المفاوضات والمساومة على قضيتهم، وحاولت أن تفرض عليهم تبني وصفة مؤسسات المجتمع المدني الأمريكية، التي تقول: إن الشكل الوحيد للمقاومة هو تلك «السلمية منها» وما عدا ذلك هو اختصاص «المنظمات الإرهابية» كحماس وحزب الله وغيرها من المنظمات التي اشتبكت عسكرياً مع الكيان.

1019-8

لن يعترف الكيان بهزائمه، وسيغطيها بدخانٍ كثيف، فجورج بوش الابن وصف انسحاب الكيان من غزة «بالتصرف الشجاع» ليؤكد أسطورة الجيش الذي لا يقهر، لكن ما يجري اليوم يضعف إمكانية التضليل الكبرى هذه. فالكيان خسر المعركة في غزة وانسحب تاركاً مستوطناته ركاماً، كي لا يشاهد أحدٌ فلسطينياً يتجول في شوارعها منتصراً، ويراهن اليوم على ورقة مهمة، وهي الحفاظ على الانقسام الفلسطيني وبقاء سلطة أوسلو، لكنهم مدركون بالطبع أن الشارع الفلسطيني يتحرك باتجاهات معاكسة لرغبتهم، ويدركون أيضاً أن الشارع عندما يصطدم مع سلطة أوسلو سيصطدم مع الاحتلال مباشرة، فكما قال المدير العام السابق لوزارة الشؤون الإستراتيجية الصهيونية يوسي كوبرفاسر: «إن السلطة الفلسطينية قائمة بفضل حِراب إسرائيل» وعليه تدرك «إسرائيل» أن معركةً كبرى تنتظرها قريباً، ربما نرى يومها مستوطنات صهيونية تسويها جرّافات الاحتلال بالأرض، تماماً كما جرى في غزة.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1019