«إيفو مورالس» يفتح باب التحليلات حوله...

كوّن اليمين الأمريكي المتطرف رأيه حول رئيس بوليفيا الجديد. فقد أعلنت صحيفة واشنطن تايمز، أنّ «عدواً لأمريكا» تم انتخابه في بوليفيا، وأطلقت جرس الإنذار حول إعادة تأميم الموارد النفطية.

أما نائب رئيس الاتحاد القومي لقادة الشرطة، المستشار في «مكافحة الإرهاب»، جيم كوري فقد نادى بالتخطيط منذ الآن للإطاحة بإيفو مورالس «متهماً» إياه بشكل اعتباطي بأنّه «شيوعي»، و«عدوٌ لأمريكا» وحليفٌ لمهرّبي المخدرات. وبعد إشارته إلى ضعف الجيش البوليفي، اقترح «إجراءاتٍ» لمنع هذا البلد من تطوير تجارة الكوكايين في الولايات المتحدة، وهي حجّةٌ للغزو سبق استخدامها للاعتداء على بنما في العام 1989. ولا ينبغي الاستخفاف بهذا التصريح. وبالفعل، فقد كشف مورالس، عندما كان مرشّحاً رئاسياً، بأنّ سلفه إدواردو رودريغز أعطى الولايات المتحدة الصواريخ التي كان الجيش البوليفي يمتلكها، نازعاً سلاح بلاده لجعل تدخّلٍ عسكريٍّ أمريكيٍّ ممكناً.

وفي إسبانيا فقد قدّم النائب المحافظ خيسوس لوبيز ميديل للرئيس الجديد نصائح بطريركية حول حسن الإدارة وقال إنّ على مورالس إعادة النظام إلى بلاده قبل كلّ شيء، وإنهاء محاباة الأقارب وفتح بوليفيا أمام الاستثمارات الأجنبية، أي باختصار عدم الوفاء بالتزاماته السياسية، بل متابعة سياسة سابقيه، معرباً في الوقت ذاته عن أسفه لأنّ الرئيس الجديد عبّر عن إعجابه بفيدل كاسترو وهوغو شافيز(!!).

أمّا الباحث كارلوس مالامود، فقد «طمأن» قرّاء جريدة ABC اليومية الإسبانية المحافظة للغاية، قائلاً: صحيحٌ أنّ مورالس قريبٌ من شافيز ومن كاسترو، لكنّ التحليلات تقدّر أنّه لا يتمتّع بقاعدةٍ انتخابية حقيقية وأنّ الطبقات الوسطى لم تنتخبه إلا لإعادة النظام. وإذا خرج عن ذلك البرنامج، فسوف تختصر مدّة ولايته.

كما رأى البيروفي ألفارو فارغاس يوسا، أنّه ليس لدى مورالس وسائل لتحقيق سياسته وأنّ حاجة بوليفيا للمستثمرين الأجانب أكبر من قدرتها على انتهاج سياسةٍ تخيفهم. وبالتالي لا يستطيع الرئيس الجديد اتخاذ إجراءاتٍ راديكالية. لكن كلّ شيء يتعلّق بموقف واشنطن التي إذا ما هاجمته فيمكن أن تتشكل وحدة وطنية حوله لصالح اتخاذ تلك الإجراءات.

غير أنّ أولئك الكتّاب يحللون المسألة البوليفية دون أن يأخذوا بالاعتبار وجود ديناميكية إقليمية لأن انتخاب مورالس يشكل إشارةً إضافية على أنّ أمراً ما يتغيّر في القارة. إذ أن الناخبين الأمريكيين اللاتينيين يختارون بكثافةٍ مرشحين يعدونهم بمزيدٍ من العدالة الاجتماعية، وبإعادة تأميم الثروات الوطنية وبالاستقلال عن الولايات المتحدة، وهذا ما يمر بشكلٍ خاص عبر رفض منطقة التبادل الحر للأمريكيتين. ولم يعد انتخاب مورالس نتيجةً معزولة، وبدرجاتٍ متفاوتة يمكن أن تتخذ تشيلي وبيرو والمكسيك الاتجاه نفسه قريباً جداً، وأن تتبعها بلدانٌ أخرى فيما بعد.

وفي الصحيفة الكولومبية اليومية إل تييمبو، أشار أوسكار كويازوس إلى ذلك الميل وإلى تراجع نفوذ واشنطن. وأسف لرؤية اليمين الكولومبي، المتحالف مع واشنطن، يحلل الوضع في شبه القارة عبر منظار الحرب الباردة المشوّه والبائد. وقال للقرّاء إنّ العالم تغيّر، ولم يعد ممكناً فرض دكتاتوريات عسكرية للنضال ضدّ تخريبٍ «شيوعي» مزيّف.

ولاحظ الرئيس الأرجنتيني السابق راؤول ألفونسين بدوره ذلك الميل وأبدى خشيته منه قائلاً إنّ الانتصارات التي أعلنتها مختلف حركات اليسار الأمريكية اللاتينية والتي تدعم اندماجاً بين بلدان أمريكا اللاتينية مستقلاً عن رغبات واشنطن يمكن أن تدفع الولايات المتحدة إلى العودة إلى التلويح بالعصا وتصليب مواقفها في منطقة نفوذها القديمة.

موراليس..

فقراء ينتصرون بالديمقراطية...

وتحت هذا العنوان قال فيصل جلول إن أمريكا اللاتينية لم تستقبل انهيار الاتحاد السوفييتي بالعويل والبكاء كما فعل البعض في عالمنا العربي على الرغم من أن نظام القطبين كان يتيح لشعوب الجزء الجنوبي من القارة الأمريكية فرصة مهمة لمقاومة طغيان الولايات المتحدة واستبدادها فيما تسميه بـ «حديقتها الخلفية». وإذا كان صحيحا أن الثنائية العالمية القطبية قد وفرت الحماية لكوبا، كابوس واشنطن الأبدي، فالأصح أيضاً أن انهيار الحرب الباردة حرر شعوب أمريكا اللاتينية من وطأة الانتماء والاستغلال السياسي ودفعها قدما للامساك بمصيرها وثرواتها وبالتالي إيصال رؤساء إلى سدة السلطة سرعان ما تحولوا إلى كوابيس تقض مضاجع البيت الأبيض ومحافظيه الجدد.

بوليفيا الوافدة لتوها إلى النادي اللاتيني المناهض للشركات الأمريكية والعالمية الكبرى ليست العلامة الفارقة الوحيدة على هذا الطريق فعدا كوبا انضمت برازيل لولا داسيلفا إلى هذا النادي، ومن ثم فنزويلا هوغو شافيز، وأرجنتين كرشنر وتشيلي التي استعادت أخيرا خط سيلفادور الليندي... والبقية على الطريق كما يؤكد كاسترو.

واللافت في هذه السيرورة أن المسحوقين تمكنوا من تحويل الديموقراطية من وسيلة للسيطرة والإخضاع الدائم والتبعية للولايات المتحدة إلى وسيلة للمقاومة وانتزاع الثروات من حلق مفترسيها الأجانب وذلك عبر اختيار شخصيات من أدنى السلم الاجتماعي لا تحتفظ بحبل نسب سياسي معمر.

لقد اعتلى ماسح الأحذية السابق لولا داسيلفا رئاسة البرازيل، لكن الاختراق الأكثر خطورة في هذه القارة يتمثل في انبثاق إيفو موراليس رئيس بوليفيا المنتخب. فالرجل الذي يعيش في غرفة واحدة في بيت جماعي بدأ حياته راعي ماشية ثم بائع خبز وعامل بناء ومزارعاً ثم مهندساً زراعياً ينتمي إلى الهنود سكان البلاد الأصليين الذين يتولون الحكم للمرة الأولى في تاريخهم وفي أمريكا بأسرها منذ اكتشافها قبل خمسة قرون، ما يعني أن هذا الانتصار ستكون له انعكاسات كبيرة على مجمل سكان القارة الأصليين، لكن فوز موراليس يحمل معاني أخرى لا تقل أهمية من بينها أن الرجل ينتمي إلى بلد يحمل وحده من بين كل بلدان أمريكا الجنوبية اسم سيمون بوليفار رمز التحرر اللاتيني الشهير، وفي هذا البلد سقط الثائر الكوبي الأرجنتيني الأصل أرنستو تشي غيفارا أواخر العام 1967.

 ويحمل انتصار موراليس معنى اقتصاديا بارزا، فقد طرأ في بلد يعتبر صاحب احتياط الغاز الثاني في القارة بعد فنزويلا ما يعني أن التنسيق السياسي بين البلدين في مجال الطاقة من شأنه أن يتسبب بصداع في الرأس للشركات العالمية التي تقبض على ثروات الدولتين.

ويحمل انتصاره معنى أيديولوجيا صارخا فهو يترأس تيار «الحركة نحو الاشتراكية» في عصر يدير ظهره للايديولوجيات وينتمي إلى حركة رفض العولمة التي تناضل من اجل عالم لا تسوده شركات النهب الدولية.

وفي المعنى الشخصي للانتصار يلاحظ إصرار الرئيس المنتخب على اتخاذ مبادرات تجعله قريبا بل ملاصقا لمعاناة شعبه فقد قرر فوراً تخفيض راتبه الرئاسي إلى النصف والامتناع عن ارتداء ربطات العنق وعن الالتزام بمظاهر البروتوكول الغربي رغم الانتقادات التي وجهت إليه مع إطلاقه شعارات جذابة من نوع: «نريد شركاء أجانب لا أسياداً في بلادنا». و«لا توجد في بوليفيا أسماء لضباط أو قضاة منا» في إشارة إلى سيطرة البيض على الرتب العليا في المؤسسة العسكرية. و«لا بد من تأميم بعض الشركات المتصلة بحياة المواطنين الأساسية وفي طليعتها شركة المياه التي تسيطر عليها بكتل الأمريكية». و«لا بد لورقة الكوكا من أن تهزم ورقة الدولار». و«لن نسمح بسيطرة 100 عائلة على الاقتصاد البوليفي على حساب الأكثرية الساحقة من الفقراء». و«لا نريد العيش على مساعدات الصناديق الدولية فيما بلادنا تضج بالثروات الطبيعية».

ويبقى القول إن الشعب البوليفي انتخب موراليس رغم الحملة المسعورة التي تعرض لها خلال الحملة الانتخابية في الخارج والداخل حيث وصف بالمجرم وتاجر المخدرات والإرهابي.. الخ، ما يعني أن ناخبيه ينتظرون منه أن يكون على صورتهم وليس على صورة النخب الفاسدة التي حكمت بوليفيا خلال قرون.

 

وهكذا فقد سجلت بوليفيا نهاية العام المنصرم نصراً تاريخياً أراده فقراؤها مدويا ربما كصدى متأخر لشعار غيفارا الشهير.. «يجب ألا ندع العالم ينام على صدورنا».