«الإصلاح» اللاتيني لا ينفع الاشتراكية هي الحل..!
فرانسوا أوتارت فرانسوا أوتارت

«الإصلاح» اللاتيني لا ينفع الاشتراكية هي الحل..!

كل من موقعه الخاص بات يقارب الحدث اللاتيني من زاوية عدم جدوى الاقتصار على الحلول الإصلاحية الترقيعية. وإن كان ما يلي- نظراً لقصوره وبحثه السطحي نسبياً عن حلول- لا يمثل بالضرورة، في أوجهه جميعها، رؤية «قاسيون» حول المستجدات الأخيرة في أمريكا اللاتينية، إلا أن المهم في هذا الطرح وما يشبهه يكمن في أنه يسلط الضوء على انسداد الأفق في وجه المشاريع الإصلاحية، ويحصرها تحديداً في تلك الاشتراكية..!

 

في مواجهة الأزمة التي تؤثر على دول أمريكا اللاتينية جميعها- وبوجه خاص تلك الدول الأكثر تقدمية- وفي مقابل الهجوم اليميني، واهم من يعتقد أن الحل قد يكمن بالتخلي عن النضال الاقتصادي- الاجتماعي والسياسي، وعن الخيار الاشتراكي المنتمي إلى العالم المقبل.

علينا أن نمضي في عملية إعادة تعريف لأهدافنا. من الواضح لنا أنه لا يكفي أن نضفي على أنفسنا طابع الانتماء إلى «نظام ما بعد الليبرالية الجديدة»، ولا أن نروج لما يسمى بـ«الرأسمالية الحديثة»، إنما أن نبحث عن البدائل الأفضل: بعبارة أخرى، عن نموذج جديد من الحياة، وليس الموت، حيث أن حل أزمة تجربة «ما بعد الليبرالية الجديدة» لا يمكن أن يكون معتمداً على هيمنة السوق..!

في البداية، سوف نذكر نماذج من التجارب التي خاضتها أمريكا اللاتينية، وبعد ذلك، سنعالج بعض المبادئ والتطبيقات المحتملة للنموذج «الجديد» الذي من شأنه أن يجنبنا كوارث ضخمة يلوح أفقها في الدول اللاتينية.

التجارب واستنتاجاتها

في واحدة من خصائصها المتعددة، كانت الثورة الكوبية نتيجة مباشرة للرغبة الشعبية في بناء مجتمع ما بعد الرأسمالية، غير أن الكثير من الصعوبات والعقبات والمعوقات قد نشأت، من جهة بسبب العزلة المفروضة على البلاد في المحيط الرأسمالي (مع حصار جائر)، ومن جهة أخرى، بسبب بعض الخواص التي اكتستها بعض التجارب الاشتراكية في القرن العشرين:

التصور المتسرع لمفهوم الحداثة، وانعكاسات تقسيم العمل الدولي على العالم الاشتراكي (محاولات فرض السكر كمحصول زراعي وحيد في بعض دول أمريكا اللاتينية مثلاً)، والانشغال بالتنظيم العسكري في ظل القرن العشرين، وهو قرن الحرب الإمبريالية بلا هوادة.. إلخ. ورغم ذلك، هناك العديد من الدروس التي يمكنها أن تشكل أساساً للتفكير في الإجراءات المستقبلية.

بنيت مجموعة «ALBA» اللاتينية على نظرية اقتصادية معارضة للرأسمالية: لا منافسة، بل تكامل وتضامن. وقد نتجت تطبيقات سياسية عدة عن هذه المبادئ: في الجانب الاقتصادي، نشأ التحالف البتروكاريبي (تحالف نفطي بين العديد من دول البحر الكاريبي وفنزويلا، يقضي بشراء النفط منها وفق شروط تفضيلية للدفع. نشأ التحالف في عام 2005 في مدينة بويرتو لا كروز الفنزويلية- المحرر). وفي الجانب الاجتماعي، رأينا معجزات عملية (مثالاً: القفزات النوعية في علاج أمراض العين بفضل التقنيات الطبية الكوبية الحديثة، بدعم مالي فنزويلي). وفي الجانب الثقافي، بدا التضامن الإعلامي، ومحاولات استعادة التراث الثوري كتجربة ممتازة (تجربة تلفزيون تيليسور، الذي بات يحتل المركز الأول في نسبة المشاهدة داخل دول أمريكا اللاتينية). وفي أنحاء القارة جميعها، بدت التجربة مؤخراً هامشية وضعيفة نسبياً، تعتمد في الغالب على فنزويلا البوليفارية التي أظهرت التجربة فيها بعض الحيوية.

عناوين عامة لبناء نموذج جديد

يتطلب بناء نموذج «ما بعد الرأسمالية»، القائم على الحياة الجماعية على هذا الكوكب، تعريف وصياغة أبرز معالمه، لا سيما في مجال العلاقة مع الطبيعة: من الاستغلال والتدمير، نحو احترام الطبيعة بوصفها مصدر لأشكال الحياة جميعها. إنتاج الأساس المادي للعيش من خلال «تفضيل القيمة الاستعمالية على قيمة التبادل». ومن خلال انتشار العمليات الديمقراطية الشعبية في المؤسسات الاجتماعية والسياسية، يمكننا الانتهاء، مرة وإلى الأبد، من هيمنة الثقافة الغربية التي لا تزال فاعلة ومعتمدة- إلى هذا الحد أو ذاك- في الحياة الثقافية لشعب أمريكا اللاتينية.

يمكننا هنا أن نقدم بعض الأمثلة (بعض التصورات حولها فقط) على خطوات من شأنها صياغة رؤية حول «نموذج ما بعد الرأسمالية»، يمكننا أن ندعوه اشتراكية القرن الواحد والعشرين، أو الصالح العام للبشرية، أو أي اسم آخر، شريطة أن يكون مضمون المفهوم واضحاً لنا جميعاً.

لتحويل العلاقة مع الطبيعة

الهدف هو تجاوز عمليات الاستخراج المدمرة (بهدف التبادل)، نحو الاستخراج (بهدف الاستهلاك): الخطوة الأولى هي تطبيق قوانين اجتماعية وبيئية فاعلة وقوية. والعمل على مستوى التكامل القاري، لأنه لا يمكن لبلد واحد لاتيني صغير أن يواجه وحده القوى متعددة الجنسيات، والتشريعات الدولية لمنع «المزايا النسبية» للدول التي لا تحترم المعايير الاجتماعية والبيئية. أما حظر الملكية الخاصة للثروات الطبيعية، فهو خطوة لا بد من اتباعها.

وفي مواجهة تدمير الغابات والأخشاب، فإن عمليات ضخمة لإعادة التحريج يمكن أن تكون بداية للتغيير، ترافقها تهيئة الظروف اللازمة لتوسيع الزراعة، لا سيما الزراعة الأسرية للفلاحين الأصليين.

الأولوية للقيمة الاستعمالية

يمكن أن تشمل المبادرات في هذا الجانب، إلغاء تهرب دافعي الضرائب الكبار في المنطقة، وتأميم المؤسسات المالية الكبرى، وإجراء إصلاح زراعي شامل وشعبي (انظر برنامج MST البرازيلي نموذجاً- هو برنامج زراعي وضعته حركة العمال المعدمين في البرازيل- المحرر)، وتعزيز السوق المحلية، والدورات الاقتصادية القصيرة، والسيادة الغذائية، وتعزيز اقتصاد التضامن الشعبي.

تعميم الديمقراطية

 والمشاركة الشعبية

يتمثل الاقتراح الأول في مواجهة الفقر، بالتوازي مع سياسات تركز على كيفية الإنتاج، بدلاً عن البحث عن مجرد زيادات في الاستهلاك، وهذا ما سيساهم ببناء فاعلين اجتماعيين، وليس فقط «عملاء» اقتصاديين، وهو الفرق بين دور الدولة كطرف، وبين دور الدولة كراعي اجتماعي. وذلك مشروط بتوسيع آليات المشاركة في القطاعات جميعها (الاقتصاد والسياسة والثقافة والنقابات العمالية.. إلخ).

 

*رجل دين بلجيكي، وباحث في علم الاجتماع