حين يُدفع ثمن أزمة السيولة من جيب الفلاح... تعميم المصرف الزراعي... حق مؤجل ودَين مُعجل
في 12 آب 2026 أصدر المصرف الزراعي التعاوني تعميماً جديداً يحدد آلية صرف مستحقات الفلاحين عن محصول القمح للموسم 2025–2026، معللاً ذلك بعدم توفر السيولة اللازمة من مصرف سورية المركزي لصرف كامل المستحقات. وبحسب التعميم، تُحول 25% من صافي مستحقات الفلاح إلى حسابه عبر «شام كاش»، فيما تُصرف الـ75% المتبقية وفق التعليمات المعمول بها، مع حسم المديونية المستحقة للمصرف قبل احتساب الصافي.
قد يبدو الأمر للوهلة الأولى إجراءً مالياً اضطرارياً فرضته ظروف السيولة. لكن عند وضعه في سياق واقع الفلاح وتكاليف الإنتاج ومواعيد المواسم الزراعية، فإن التعميم يطرح أسئلة أكبر بكثير من مجرد كيفية تحويل الأموال.
السؤال الحقيقي هو: لماذا يدفع الفلاح ثمن مشكلة لم يكن طرفاً فيها؟
الفلاح عندما سلم محصوله لم يكن قد وقع على شرط يقول له: انتظر حتى تتوفر السيولة. ولم يوافق على تأخير مستحقاته، ولم يتعهد بتحمل تبعات نقص السيولة لدى المصرف المركزي، ولم يوافق على أن تُحسم ديونه مباشرة من قيمة محصوله، ولم يُطلب منه أصلاً أن يجعل «شام كاش» قناة إلزامية للحصول على جزء من حقه.
لقد فعل ما عليه: زرع، وأنفق، وأنتج، وحصد، وسلم محصوله.
وبمجرد تسليم المحصول وقبوله، تصبح قيمته حقاً مالياً للفلاح، وليست منّة من الدولة ولا مساعدة تنتظر ظروف السيولة.
أزمة السيولة ليست أزمة الفلاح
يمكن تفهم أن تواجه الدولة أو المصرف المركزي صعوبات في السيولة. لكن تفهم السبب لا يعني قبول تحميل نتائجه للطرف الأضعف في سلسلة الإنتاج.
فإذا كانت السيولة لا تكفي لدفع كامل المستحقات، فلماذا يكون الفلاح هو من ينتظر؟ ولماذا لا يُعالج العجز في مكانه الطبيعي ضمن السياسة المالية والنقدية، بدل تحويله إلى أزمة سيولة لدى المنتج؟
الأكثر إثارة للاستغراب أن حق الفلاح يصبح مؤجلاً، بينما حق المصرف يصبح معجلاً.
فالتعميم ينص على حسم المديونية المستحقة للمصرف من قيمة المحصول قبل تحويل الـ25% من صافي المستحقات إلى «شام كاش».
وهنا لا بد من السؤال بصراحة: إذا كانت السيولة غير متوفرة لدفع كامل حق الفلاح، فلماذا تصبح الأولوية لتحصيل كامل ما عليه للمصرف؟
لا أحد ينكر حق المصرف في تحصيل ديونه. لكن حماية حق المصرف لا تعني بالضرورة استنزاف السيولة المتاحة لدى الفلاح، خصوصاً عندما تكون هذه السيولة نفسها ضرورية لإعادة تشغيل العملية الإنتاجية.
الفلاح لا يعيش موسماً واحداً
المشكلة الأساسية أن التعامل مع دين الفلاح يجري وكأن الموسم الزراعي انتهى بمجرد تسليم القمح.
لكن الزراعة ليست موسماً منفصلاً عن آخر.
الفلاح الذي سلم محصوله اليوم يحتاج غداً إلى البذار والأسمدة والمبيدات والمحروقات وأجور العمال والحراثة والري وسائر مستلزمات الموسم الجديد.
وقد يكون الدين الذي يريد المصرف تحصيله أصلاً ناتجاً عن تمويل مستلزمات الموسم الماضي.
فما المنطق في أن نحسم منه كامل الدين، ثم نتركه يبحث من جديد عن المال ليزرع الموسم القادم؟
هنا تتحول عملية تحصيل الدين إلى خطر على الإنتاج نفسه. فالمصرف قد يستوفي ديناً اليوم، لكنه قد يفقد قدرة الفلاح على الإنتاج غداً.
وهذا ليس في مصلحة المصرف ولا الدولة ولا الاقتصاد ولا الأمن الغذائي.
والأجدى كان اعتماد معالجة أكثر توازناً: جدولة الديون، تأجيل الأقساط الزراعية، أو ترك حد أدنى من رأس المال التشغيلي للفلاح قبل الحسم. خصوصاً أن المصرف أصدر خلال العام نفسه تعليمات لتسوية القروض الزراعية المتعثرة، بما شمل إعفاءات من فوائد وغرامات وشروط لإعادة معالجة الديون.
وماذا عن كلفة التأخير؟
هناك جانب آخر لا يجوز تجاهله: تأخير الدفع له كلفة حقيقية على الفلاح.
فالفلاح الذي كان يفترض أن يحصل على قيمة محصوله بعد التسليم، ويستخدمها لشراء مستلزمات الموسم القادم، يجد نفسه بعد أشهر أمام أسعار جديدة وتكاليف أعلى، بينما ماله لا يزال عالقاً.
لذلك فإن الحديث عن صرف المستحقات من دون احتساب كلفة التأخير يتجاهل خسارة فعلية يتحملها الفلاح.
وكان المنتظر أن تُبحث آلية تعويض عن التأخير محسوبة يوماً بيوم اعتباراً من تاريخ تسليم المحصول وحتى تاريخ قبض المستحقات، لأن من يؤخر حقاً مالياً ليس من العدالة أن يجعل صاحب الحق يتحمل وحده كلفة الانتظار.
فالفلاح لم يوافق على أن يكون ممولاً مجانياً للدولة.
«شام كاش...» لماذا الحصرية؟
ثم تأتي مشكلة أخرى: فرض «شام كاش» للحصول على الـ25%.
فالتعميم يطلب من الفروع استكمال بيانات الفلاحين وأرقام حساباتهم على «شام كاش»، وتحويل النسبة المحددة إلى تلك الحسابات. وفي حال عدم وجود حسابات جارية، تُفتح حسابات للفلاحين تمهيداً للتحويل.
لكن ماذا عن الفلاح الذي لا يملك حساباً في «شام كاش»؟ ماذا عن كبار السن؟ ماذا عن سكان المناطق الريفية الذين يواجهون صعوبات تقنية أو ضعفاً في الاتصال أو لا يستخدمون المحافظ الإلكترونية أصلاً؟
لماذا يتحول امتلاك حساب في تطبيق محدد إلى شرط عملي لقبض جزء من ثمن محصول الفلاح؟
فالفلاح لم يبع القمح إلى «شام كاش». لقد باعه للدولة.
وكان يمكن اعتماد عدة وسائل للدفع: المصرف الزراعي، الحساب المصرفي، التحويل الإلكتروني، أو «شام كاش» لمن يرغب. أما تحويل وسيلة دفع واحدة إلى قناة حصرية، فهو يضيف عبئاً جديداً إلى فلاح ينتظر أصلاً حقه.
الدفع الإلكتروني يجب أن يكون وسيلة لتسهيل حصول الفلاح على ماله، لا شرطاً جديداً للحصول على ماله.
من يتحمل كلفة الأزمة؟
إذا جمعنا عناصر التعميم نجد صورة شديدة القسوة:
السيولة غير متوفرة، فينتظر الفلاح.
تصل سيولة محدودة، فيُحسم منها دين المصرف.
ثم يُطلب منه استخدام قناة دفع محددة للحصول على جزء مما تبقى.
وفي الوقت نفسه عليه أن يؤمن مستلزمات موسم جديد.
وفي كل مرحلة تقريباً، يبدو أن الفلاح هو الطرف المطلوب منه أن يتحمل وينتظر ويتكيف. لكن لماذا؟
الفلاح ليس مسؤولاً عن نقص السيولة. وليس مسؤولاً عن إدارة السياسة النقدية. وليس مسؤولاً عن اختيار قناة الدفع. وليس من العدل أن يتحمل وحده كلفة التأخير.
إن قيمة المحصول حق للفلاح، وليست مكافأة على حسن الانتظار. وإذا كانت الدولة تريد فعلاً حماية القمح والأمن الغذائي، فعليها أن تبدأ من حماية المنتج وقدرته على الاستمرار.
لا تجعلوا تسديد دين الموسم الماضي سبباً في عجز الفلاح عن تمويل الموسم القادم.
فالديون يمكن جدولتها، والأقساط يمكن تأجيلها، وآليات الدفع يمكن تعددها. أما الموسم الزراعي الذي يفشل لأن الفلاح لم يجد السيولة اللازمة لزراعته، فلا يمكن جدولته ولا تعويضه بسهولة.
والدولة التي تريد القمح غداً، عليها أولاً أن تترك في يد الفلاح ما يكفي ليزرعه. فالفلاح ليس الحلقة الأضعف التي تُحمل كلفة الأزمة. إنه الحلقة التي يبدأ منها الأمن الغذائي كله.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1291