قطاع الدواجن في وجه العاصفة... أسعار جنونية وشبكات الاحتكار تنهش الأمن الغذائي
وكأنه كُتب على السوريين دفع أثمان باهظة جرّاء الفشل الذريع للسياسات الرقابية وجشع حيتان السوق، بينما تتخبط الحكومة بين وعود طيّرتها الرياح ونشرة تأشيريّة لا تساوي الحبر الذي كُتبت به.
فاتفاق الأمس يتحول إلى سراب، وأسعار الفروج تحلق في عنان السماء، والمربي يُسحق بين مطرقة الاحتكار وسندان الأسعار، في وقت تتغاضى فيه الأجهزة الرقابية عن مهزلة لم تعد خافية على أحد!
النشرة... وهمٌ في بحر الاحتكار
كان الاتفاق الذي أبرمته وزارة الزراعة مع لجنة تربية الدواجن، والذي نصّ على إصدار نشرة تأشيرية أسبوعية تُلزم ببيع طن الفروج الريش بسعر لا يتجاوز 2000 دولار، مجرد حلقة أخرى في مسلسل التضليل.
فاليوم، تتجاوز الأسعار كل الحدود، وبات سعر الطن بحدود 2300 دولار، وكأنها سخرية من وعود الجهات المعنية ومن همّ المواطن الذي بات عاجزاً عن تأمين أدنى متطلباته الغذائية.
إن هذا السيناريو المتكرر بات مثيراً للسخرية. فالنشرة التأشيرية التي كان من المفترض أن تكون أداة لضبط السوق، تحولت إلى دليل يُدين عجز الدولة عن كسر جماح المحتكرين وفرض الرقابة. فكيف لوزارة ومؤسسات أن تعلن عن سعر ثم تترك السوق يرفع الأسعار بهذا الشكل من دون أي رادع حقيقي؟!
ارتفاع مؤقت... فعلاً!
في 13 تموز وصف رئيس لجنة تربية الدواجن، نزار سعد الدين، الارتفاع السعري بأنه «مؤقت» مستبعداً أي زيادات إضافية، وتعهد بانخفاض الأسعار خلال 20 يوماً تزامناً مع دخول دورة إنتاجية جديدة.
ولكن مرور شهر كامل على ذلك الوعد يكشف عن فجوة واضحة بين التصريحات والواقع المعاش، إذ قفز سعر كيلو الشرحات من 750 ليرة إلى 1000 ليرة!
ما يطرح أكثر من إشكالية؛ فإما أن التقديرات تتسم بجهل مطبق بواقع القطاع، وإما – وهو الأرجح – أن الشبكات الوسيطة التي تعمل على تضخيم الهوامش السعرية وإطالة أمد التضخم، مستثمرةً مناخ القلق الاستهلاكي لتبرير اتجاهات الاستيراد التي تخدم مصالح ضيقة، على حساب استقرار السوق المحلية وأمنها الغذائي، هي المتحكمة بالقطاع بمجمله خارج سيطرة المربين والحكومة.
من المتحكم؟
في لعبة رمي الكرة في ملعب الآخرين، وجّه أمين سر جمعية المستهلك، عبد الرزاق حبزة، أصابع الاتهام إلى المسالخ، واصفاً إياها بالمستفيد الأكبر.
لكن هذا الاتهام غير كافٍ إذا لم ننظر إلى الصورة الأشمل. فالمستفيد الفعلي هو شبكة عنكبوتية من كبار التجار والمستوردين والمحتكرين التي تسيطر على مفاصل القطاع بأكمله.
مافيا الدواجن باتت تتحكم باستيراد الأعلاف، والفروج المجمد والحي، عدا عن بقية مستلزمات الإنتاج؛ مافيا تتحكم بالأسعار من المنبع إلى المصب، وتربح من كل حلقة من حلقات السلسلة الإنتاجية وصولاً إلى المستهلك، بينما يبقى المربي هو الحلقة الأضعف والخاسر الأكبر في هذه المعادلة الجائرة هو المستهلك.
فإلقاء التهم على المسالخ وحدها هو إلهاء، بشكل مباشر أو غير مباشر، عن الحيتان الحقيقية التي تلتهم القطاع برمته.
لأنها فوضى!
برزت في الآونة الأخيرة حملات مشبوهة وممنهجة على وسائل التواصل الاجتماعي، تسعى إلى خلق حالة سخط موجه ضد المنتج المحلي. حملات تروج لسوء نوعية الفروج المحلي، وتتحدث عن نقص في المعروض، وتشجع على المقاطعة، وتطالب بفتح باب الاستيراد.
وهذه الشبكات، إن لم يكن واضحاً من وراءها، إلا أنها معروفة المقاصد؛ فهي تجاهد لضرب قطاع الدواجن في مقتل، وتصفية الإنتاج المحلي لصالح المضاربين والمستوردين الذين يتربصون بالفرص لتحقيق أرباح طائلة على حساب المنتجين والمستهلكين معاً.
ألم تكن تجاربنا مع الاستيراد كافية لنستخلص العبرة؟
شهد السوق عند فتح باب الاستيراد فراريج نافقة، وأخرى مريضة، وسلعاً مجمّدة فاسدة ومنتهية الصلاحية لا تصلح للاستهلاك الآدمي، كبدت المربين خسائر فادحة، وأمعنت في دمار البنية التحتية الإنتاجية لقطاع قادر على تغطية احتياجات السوق والتصدير.
وإعادة فتح هذا الباب اليوم، في ظل وجود احتكار كامل لحلقات الاستيراد والتوزيع، سيعني نقل الأرباح من جيب المربي إلى جيب المستورد، من دون أي تأثير إيجابي على المستهلك. وسيكون استيراداً للفساد وتمديداً لسيطرة الاحتكار.
خيارٌ لا وجود لغيره!
استمرار النهج الحالي يعني بشكل قاطع استمرار المعاناة، وارتفاعاً في الأسعار، ومزيداً من التبعية، وانهيار الإنتاج المحلي.
والحل يجب أن يكون جذرياً وحاسماً؛ أي كسر حلقة الاحتكار بالكامل. وهذا يتطلب وقفة حازمة من الحكومة بالتعاون مع المربين، تتجاوز النشرات إلى محاسبة حقيقية للمتلاعبين بالأسعار، وتفكيك شبكات الاحتكار التي تتحكم بالقطاع وبمستلزمات الإنتاج وبالسوق، وتعزيز دور المداجن العامة كقطاع وطني فاعل ومتكامل قادر على دعم السوق وحمايته.
ونُعيد التأكيد على ضرورة النهوض بواقع المربين عبر إنشاء تعاونيات إنتاجية قوية وتكاملية، تصبح ركيزة لإنقاذ القطاع؛ تؤمن للمربي المستلزمات، وتحميه من الخسائر، وتدافع فعلاً عن مصالحه. لأننا نمتلك مقومات الإنتاج المحلي القادر على تلبية الطلب، إن تحرر القطاع من الاحتكار.
فالقطاع أمام مرحلة مفصلية لا تقبل بالوعود الكاذبة ولا ترضى بالحلول الوهمية؛ إما أن نحمي إنتاجنا الوطني ونكسر احتكار حيتان السوق لمصلحة المنتج والمستهلك، وإما أن نستمر بدفع ثمن خسارة قطاع تصديري عالي الربحية، وخسارة الآلاف لمصدر رزقهم، ونشهد بأعيننا مزيداً من الانهيار في الأمن الغذائي.
الخيار واضح والوقت ينفذ!
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1291
فرح شرف