الخمسمئة الزرقاء... عندما يهزم السوق القرار

الخمسمئة الزرقاء... عندما يهزم السوق القرار

في الاقتصاد، يفترض أن القرارات تصنع الواقع.
أما في سورية، فيبدو أن الواقع يمنح نفسه حق النقض.

فقد صدر القرار، وانتهت المهلة، وأُعلن بكل ما تقتضيه اللغة الرسمية أن ورقة الخمسمئة الزرقاء فقدت قوتها الإبرائية، وأنها خرجت من التداول.
لكن الورقة لم تسمع الخبر.
في صباح اليوم التالي، استقلت السرفيس، واشترت الخبز، ودخلت البقالية، وتنقلت بين الأيدي بخفة موظف لم تصله بعد برقية إحالته إلى التقاعد.
هنا تبدأ المفارقة...
في الكتب، تسير الحياة وفق القرارات.
أما في الأسواق، فتسير وفق الضرورات.
الدولة قالت: انتهى زمن هذه الورقة.
والناس سألوا سؤالاً أكثر بساطة وأكثر قسوة: «ومن سيؤمن لنا الفراطة؟»
عند هذه النقطة، توقف القرار، وبدأ الواقع.
فالسياسات النقدية تُكتب بالحبر، لكن السوق يكتبها بأجرة سرفيس، وثمن ربطة خبز، وبائع يبحث في جيبه عن خمسمئة ليرة حتى لا يتحول سعر سلعة إلى ألف ليرة كاملة لأن «النصف» اختفى.
وهكذا دخلت الخمسمئة الزرقاء مرحلة جديدة من حياتها.
لم تعد عملة قانونية... بل أصبحت عملة ضرورية.
إنها حالة تستحق التأمل، فالجميع يعرف الحقيقة.
البائع يعرف أنها فقدت قوتها الإبرائية... والمشتري يعرف... وسائق السرفيس يعرف. وربما الطفل الذي يشتري قطعة حلوى يعرف أيضاً.
ومع ذلك، يمد الجميع أيديهم لتلقيها، لا اقتناعاً بشرعيتها، بل اقتناعاً بأن الشخص التالي سيفعل الشيء نفسه.
إنها ورقة لا يحميها القانون... بل تحميها الحاجة.
ولعلها المرة الأولى التي نشاهد فيها جنازة يحضرها الجميع، ثم يأخذ كل واحد معه النعش إلى عمله.
فالخمسمئة الزرقاء ماتت رسمياً، لكنها بقيت حية شعبياً.
وهنا تكمن السخرية.
فالقرار يقول إنها خرجت من التداول، بينما يصر الواقع على تشغيلها بدوام كامل.
أُحيلت إلى التقاعد في السجلات، لكنها ما زالت موظفة مناوبة في الأسواق.
وربما لو مُنحت حق الرد لقالت: «لقد سحبوا مني الصفة القانونية... لكنهم لم يوفروا من يحل مكاني.»
وهنا لا تبدو المشكلة في الورقة نفسها، بل في الفراغ الذي خلفه غياب الفئات الصغيرة.
فالعملة الجديدة جاءت أنيقة ولامعة، لكنها جاءت كبيرة المقاس، وتركت التفاصيل الصغيرة معلقة في الهواء.
وحين تغيب نصف الأف، لا يختفي رقم من الورق فحسب، بل يختل ميزان الأسعار اليومية، ويصبح التقريب قاعدة، ويشعر الناس أن الخسارة الصغيرة تتكرر عشرات المرات في اليوم.
لهذا لم يدافع الناس عن الخمسمئة حباً بها، وإنما دفاعاً عن حقهم في أن يدفعوا السعر كما هو، لا كما يفرضه غياب «الفراطة.«
لقد انتصرت الضرورة الشعبية على القرار الرسمي، لا تمرداً على الدولة، بل حفاظاً على إيقاع الحياة اليومية.
فالناس لا يخوضون معركة قانونية مع ورقة نقدية، وإنما يخوضون معركة يومية مع تفاصيل العيش.
ولذلك بقيت الخمسمئة الزرقاء تتنقل بين الجيوب والأسواق، وكأنها تقول في سخرية هادئة: «قد أكون فقدت شرعيتي الرسمية... لكنني ما زلت أملك شرعية الحاجة.»
وربما تختصر هذه الورقة، أكثر من أي خطاب اقتصادي، حقيقة يصعب إنكارها؛ القرارات تستطيع أن تعلن نهاية الأشياء... لكنها لا تستطيع أن تنهي الحاجة إليها ما دام البديل غائباً.
فالواقع لا يقرأ التعاميم... بل يقرأ ما في الجيوب.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1290