اعتراض الأطباء ليس تمرداً على الدوام

اعتراض الأطباء ليس تمرداً على الدوام

ليس من حق أحد أن يطلب من الطبيب أن يعمل بلا حدود، وليس من حق أي مؤسسة صحية أن تتعامل مع الطبيب المقيم باعتباره مجرد رقم في جدول المناوبات. لذلك فإن تنظيم ساعات العمل ضرورة لا خلاف عليها، لكن السؤال الحقيقي هو: هل القرار الجديد لوزارة الصحة ينظم دوام الطبيب فعلاً، أم ينظم طريقة احتساب الساعات على الورق؟

القرار الخاص بساعات دوام الأطباء المقيمين، الذي صدر بتوقيع وزير الصحة بتاريخ 26 حزيران 2026، وضع حداً أدنى وحداً أعلى للدوام في الاختصاصات التي تتضمن مناوبات، وصولاً إلى 56 ساعة «معتمدة» أسبوعياً، مع احتساب ساعات المناوبة الليلية والعطل بطريقة مختلفة. وتولت الهيئة السورية للاختصاصات الطبية نشر القرار والعمل على تطبيق معاييره في جداول المناوبات.
لكن الطب ليس عملية حسابية. فالساعة التي يقضيها الطبيب في المستشفى لا تختفي لأن النظام أعطاها وزناً حسابياً أقل. والطبيب الذي يقضي الليل في الإسعاف أو غرفة العمليات أو أمام سرير مريض حرج لا يعيش «ساعات معتمدة»، بل يعيش ساعات فعلية من العمل والإرهاق والمسؤولية.
وهنا تحديداً يمكن فهم احتجاج أطباء مشفى دمشق (المجتهد) مطلع آب اعتراضاً على نظام الدوام الجديد. فالاعتراض لا ينبغي اختزاله في رغبة الأطباء في تقليل ساعات العمل أو التهرب من المسؤولية؛ بل يتعلق أساساً بكيفية توزيع ساعات العمل، وطول المناوبات، والدوام الذي يليها، وحق الطبيب في الحصول على راحة حقيقية.
ما معنى أن يبدأ الطبيب دوامه صباحاً، ثم يدخل مناوبة مسائية وليليّة، ويستمر في المستشفى حتى اليوم الآتي؟ قد يكون هذا مقبولاً في جدول حسابي، لكنه يطرح سؤالاً أكثر أهمية: هل هو آمن للطبيب والمريض؟
فالطبيب المنهك ليس مجرد موظف متعب. إنه صاحب قرار تشخيصي وعلاجي. وكلما طال الحرمان من النوم والراحة، أصبحت المسألة قضية سلامة مرضى، لا مجرد قضية حقوق وظيفية.
ومن الظلم أيضاً تحميل الأطباء المقيمين مسؤولية سد النقص في الكادر. فإذا كان قسم ما يحتاج إلى عدد أكبر من الأطباء، فإن الحل ليس توزيع العجز على الموجودين ثم القول إننا وضعنا سقفاً للساعات. نقص الكادر مشكلة إدارية يجب أن تعالجها الإدارة، لا فاتورة يدفعها الطبيب من نومه وصحته وتدريبه.
والأطباء المقيمون ليسوا قوة عمل رخيصة. إنهم أطباء في مرحلة اختصاص، ومن حقهم أن يحصلوا على وقت للتعلم والتدريب والمناقشة السريرية، لا أن يتحول معظم وقتهم إلى أداة لسد الثغرات التشغيلية.
من هنا، فإن اعتراض أطباء المجتهد وغيره من الأطباء ينبغي أن يُسمع باعتباره اعتراضاً مهنياً مشروعاً، لا تمرداً على الوزارة.
وزارة الصحة محقة في سعيها إلى إنهاء الفوضى في ساعات العمل ووضع سقوف واضحة. لكن التنظيم الحقيقي لا يقاس بعدد الساعات المسجلة في الجدول، بل بعدد الساعات المتواصلة، وفترات الراحة، وعدد المناوبات، وحجم المرضى، وعدد الأطباء المتاحين فعلياً.
المطلوب ليس إلغاء القرار، بل تصحيحه بما يضمن أن تكون الساعات آمنة وقابلة للحياة. فالساعة الرابعة فجراً ليست «نصف ساعة» بالنسبة إلى طبيب لم ينم طوال الليل. والمريض لا يهتم بما يسجله جدول الدوام؛ ما يهمه أن يكون الطبيب الذي يتخذ القرار بشأن حياته يقظاً، مدرباً، وقادراً على التركيز. تنظيم الدوام مطلوب، لكن تنظيم الاستنزاف ليس إصلاحاً.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1290