المدن الصناعية: استثمارات ورقية أم تعافٍ حقيقي؟
أعلنت وزارة الاقتصاد والصناعة في بياناتها الصادرة في 14 تموز، عن تسجيل 1430 طلب استثمار صناعي، موزعة بين منشآت جديدة وتحديث خطوط إنتاج وتوسعات، مع توقع توفير نحو 15 ألف فرصة عمل.
وفي الجانب الآخر، تكشف مديرية الشركات في الوزارة عن تسجيل 10,521 كياناً تجارياً جديداً خلال النصف الأول من هذا العام، غالبيتها الساحقة (7,619 سجلاً فردياً) تعكس توجهات مختلفة تماماً عن التصنيع.
وهذه المقارنة تشي بأن لكل طلب صناعي واحد، هناك نحو سبعة كيانات تجارية أو خدمية جديدة تسجل في السجل التجاري.
الفجوة بين التخصيص والإنتاج
تشير بيانات مدينة حسياء إلى وجود 1,707 مقسماً، منها 1,067 مقسماً مخصصاً، ولكن 350 منها منتج، أي إن أكثر من 1,300 مقسم (نحو 76%) إما قيد البناء أو غير مستثمر فعلياً.
وهذه الظاهرة، المتكررة منذ التقرير الأول الصادر في 23 شباط، تعيد التأكيد بأن تسجيل المشاريع لا يعني بالضرورة دخولها مرحلة التنفيذ والإنتاج، وغالباً ما يُستخدم منح التراخيص كوسيلة للحفاظ على حقوق الملكية أو لانتظار تحسن الظروف.
وفي مدينة الشيخ نجار، بلغ عدد المنشآت المنتجة 1,543 حتى أيار 2026، مقابل 704 منشآت باشرت البناء؛ أي إن نحو 31% من المنشآت لا تزال قيد الإنشاء. وعلى الرغم من أن النسبة أفضل مما في حسياء، إلا أنها تظل مؤشراً على تباطؤ وتيرة التحول من الترخيص إلى الإنتاج الفعلي.
فيما دخلت 102 منشأة إنتاجية إلى مدينة باب الهوى، وارتفع عدد المعامل المنتجة إلى 3 في مدينة دير الزور الصناعية، بحسب البيانات.
القيمة الضئيلة للاستثمار
في المقابل، يكشف تسارع وتيرة التسجيل التجاري عن نمط مختلف. فالسجل التجاري الفردي، الذي يشكل وحده 72% من إجمالي التسجيلات، لا يتطلب رأس مال كبيراً ولا يُلزم صاحبه بتكاليف تشغيلية ثقيلة.
فهو أداة لممارسة نشاط تجاري أو خدمي صغير، غالباً ما يكون وسيطاً أو سمساراً، بالإضافة إلى نشاطات هامشية لا تضيف قيمة حقيقية للاقتصاد.
وإذا قارنّا قيمة الاستثمارات الصناعية المعلنة (77.76 مليار ليرة؛ أي نحو 6 ملايين دولار) مع حجم التسجيلات التجارية، نجد أن معظمها تمثل رؤوس أموال ضئيلة، لا تتجاوز في كثير من الأحيان مئات الآلاف من الدولارات، وهو مؤشر على أن القسم الأعظم هو حرفي وليس «صناعي».
الوظائف الموعودة والبطالة المستعصية
أعلن مدير دائرة الإعلام في الوزارة، حسن الأحمد، عن توفير 207 آلاف فرصة عمل في المدن الصناعية، بينما يُقر صندوق التنمية السوري في تقرير الأداء الربعي لعام 2026 بأن معدل البطالة العام تجاوز 50%، وبطالة الشباب 60%، مع تقديرات دولية بأن 85% من القوة العاملة إما عاطلة أو تعاني من بطالة مقنعة، وتعمل في أنشطة لا توفر دخلاً مجزياً.
ما يشير إلى أن «فرص العمل» المعلنة قد تشمل تقديرات نظرية لمشاريع لم تدخل الإنتاج بعد، أو أنها تجمع بين العمالة المباشرة وغير المباشرة في حسابات فضفاضة. والأهم أن كثيراً من هذه الوظائف، حتى لو تحققت، قد لا تخرج من دائرة البطالة المقنّعة، إذا كانت أجورها لا تغطي الحد الأدنى لتكاليف المعيشة.
غياب المؤشرات النوعية
تغيب عن البيانات الرسمية مؤشرات هامة مثل:
- كم مشروعاً دخل فعلياً مرحلة الإنتاج؟
- ما هي طبيعة المشاريع؟
- ما هي الطاقة الإنتاجية الحقيقية للمنشآت العاملة؟
- ما هي قيمة الصادرات الصناعية مقارنة بالواردات، التي لا تزال تُغرِق الأسواق؟
- كم عاملاً يعمل فعلياً في كل منشأة، وبأي أجر؟
في ظل غياب هذه المعطيات، تبقى الأرقام المعلنة مجرد أرقام في دفتر حسابات إداري، ولا تعكس تحولاً حقيقياً في البنية الإنتاجية. كما أن المبالغة في الترويج «لبيئة جاذبة للاستثمار»، تتناقض مع الشكاوى المستمرة من غرف الصناعة والصناعيين باستمرار معاناة المنتج المحلي من ضعف القدرة التصديرية وارتفاع تكاليف التشغيل.
بين التسجيل والإنتاج
ما ترصده بيانات الوزارة حقاً في النصف الأول من 2026 ليس «انتعاشاً» صناعياً، بل توسع في التسجيل، حيث تتضاعف الكيانات القانونية من دون أن يرافقها تضاعف في الناتج المحلي أو فرص العمل الحقيقية. وهذا التوسع يعكس...
- هروباً من الإنتاج طويل الأجل إلى أنشطة سريعة الدوران وريعية.
- ولادة اقتصاد هامشي يقوم على الوساطة والسمسرة، لا على القيمة المضافة.
- فشلاً في ترجمة السياسات «المُعلنة» إلى بيئة مستقرة للطاقة والتمويل والتشغيل.
ورغم ما تحمله المدن الصناعية من إمكانيات واعدة، لكنها في وضعها الراهن أقرب إلى «واجهة دعائية» لتعافٍ إداري، أكثر من كونها محركاً حقيقياً للتنمية.
فمن دون معالجة جذرية لتكاليف الإنتاج، وأزمة الطاقة، وانعدام الاستقرار النقدي، وسلاسل التوريد المقطوعة، ستبقى هذه المدن مجرد «مقابر للاستثمارات الورقية»، بينما يبقى المواطن رهينة اقتصاد البقاء، بعيداً عن أي أفق لانتعاش حقيقي.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1290
فرح شرف