على عجلتين... شباب دمشق يطاردون لقمة العيش بلا مظلة حماية

على عجلتين... شباب دمشق يطاردون لقمة العيش بلا مظلة حماية

في شوارع دمشق، يمضي شباب وطلاب جامعات ساعات طويلة على دراجاتهم النارية، يحملون طلبات الطعام وغيرها إلى أبواب المنازل. خلف خوذة عامل التوصيل شاب يحاول تأمين دخله ومساعدة أسرته، أو طالب يسعى إلى تغطية نفقات دراسته، وفي كثير من الحالات شخص لم يجد فرصة عمل أخرى. فالدليفري بالنسبة إلى هؤلاء ليس بالضرورة خياراً مهنياً، بل نتيجة مباشرة لقلة فرص العمل وضيق الخيارات الاقتصادية.

قد تبدو المهنة بسيطة من الخارج: دراجة، هاتف، طلب وعنوان. لكن واقعها أكثر قسوة. العامل يعيش تحت ضغط الوقت؛ المطعم يريد سرعة التسليم، والزبون ينتظر، والازدحام وإشارات المرور وصعوبة الوصول إلى العناوين كلها عوامل قد تؤخره. وهكذا يجد نفسه في سباق دائم مع الزمن، وفي أحيان كثيرة مع سلامته الشخصية.
ولا تتوقف الأعباء عند الطريق. فالوقود والصيانة والإطارات وقطع الغيار والأعطال تستنزف جزءاً من دخل العامل، بينما تعني الدراجة المعطلة توقف مصدر رزقه. أما الحادث المروري فقد يعني إصابة وتكاليف علاج وإصلاحاً للدراجة، وربما أياماً أو أسابيع بلا عمل، في وقت لا يملك فيه العامل ترف التوقف.
وتزداد المشكلة تعقيداً عندما يعمل عامل التوصيل من دون عقد واضح يحدد حقوقه وواجباته، أو من دون مظلة اجتماعية وصحية تتناسب مع طبيعة عمله ومخاطره. وهنا تبرز مفارقة تستحق التوقف: إذا كان قانون المرور يلزم سائق الدراجة بارتداء الخوذة ضماناً لسلامته الشخصية، فمن يضمن سلامته من بقية المخاطر التي يتعرض لها أثناء أداء عمله؟ من يعوضه إذا أصيب؟ من يتحمل تكاليف علاجه؟ ومن يحمي دخله عندما تمنعه الإصابة من العمل؟
الخوذة تحمي رأس العامل، لكنها لا تحميه من فقدان مصدر رزقه، ولا من تكاليف العلاج، ولا من توقفه عن العمل، ولا من خسارة وسيلة رزقه. لذلك لا ينبغي أن تتوقف الحماية عند إجراءات السلامة المرورية، بل يجب أن تمتد إلى حماية اجتماعية وصحية ومهنية واضحة.
وهنا تبرز مسؤولية الجهات المعنية، وفي مقدمتها وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، ومؤسسة التأمينات الاجتماعية، والنقابات والجهات المهنية ذات الصلة، في دراسة واقع عمال التوصيل وتحديد وضعهم القانوني، وتنظيم العلاقة بينهم وبين الجهات المشغلة، والتأكد من عدم تحول مرونة العمل إلى وسيلة لإبقاء العامل خارج أي حماية أو ضمان. فالمطلوب ليس بالضرورة تحميل جهة واحدة جميع المسؤوليات، بل وضع إطار واضح يحدد من يتحمل مسؤولية العامل عندما يقع الخطر أثناء عمله.
كما أنه على النقابات أن تكون حاضرة في هذا الملف، عبر تمثيل هذه الفئة الشابة والدفاع عن مصالحها، والمساهمة في وضع معايير عادلة للعمل، بينما تستطيع الجهات الحكومية تنظيم القطاع ومراقبة شروط العمل والتأكد من حصول العامل على الحقوق التي يكفلها القانون بحسب طبيعة علاقته التعاقدية.
ولا يمكن تجاهل الجانب المروري والاجتماعي أيضاً. فعامل التوصيل يعمل في قلب الشارع، وقد يواجه المخالفات والتوتر مع سائقي السيارات، إضافة إلى صورة نمطية سلبية تطال مستخدمي الدراجات النارية بسبب سلوك بعض السائقين. وليس من العدل أن يدفع العامل الملتزم ثمن أخطاء غيره، أو أن يُنظر إليه باعتباره مصدر إزعاج، بينما هو في الحقيقة يؤدي عملًا يحتاجه المطعم والزبون معاً.
إن الحديث عن عمال الدليفري لا ينبغي أن يختصر في مقدار الأجر الذي يحصلون عليه مقابل الطلب، بل يجب أن يشمل ما يتبقى من هذا الأجر بعد الوقود والصيانة، وما الذي يحدث للعامل عندما يصاب أو تتعطل دراجته أو يضطر إلى التوقف عن العمل.
هؤلاء الشباب لا يحتاجون إلى الشفقة بقدر ما يحتاجون إلى عمل منظم يحفظ كرامتهم ويضمن الحد الأدنى من حقوقهم. وإذا كانت الدولة تطلب من العامل أن يحمي نفسه بالخوذة، فمن حقه أن يسأل أيضاً: من يحميه عندما تنتهي صلاحية الخوذة في مواجهة المرض والإصابة وفقدان الدخل؟
فخلف كل طلب يصل إلى باب منزل، هناك شاب يقضي ساعات في الشارع، وطالب يحاول متابعة دراسته، وعامل يطارد لقمة عيشه على عجلتين. وربما آن الأوان لأن تصبح سلامة هؤلاء وحقوقهم جزءاً من منظومة العمل، لا مسؤولية شخصية يتحملها العامل وحده.
فالحماية الحقيقية للعامل لا تبدأ وتنتهي عند خوذة على رأسه، بل تبدأ عندما يصبح لعمله عقد واضح، ولحقوقه جهة تحميها، ولإصابته علاج وتعويض، ولمستقبله ضمان.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1290