الغوطة ليست مكباً للنفايات... ومن ينسَ تاريخها يكرر أخطاء الماضي
في السادس من آب 2026، أصدر أهالي ومجالس أعيان القطاع الجنوبي للغوطة الشرقية بياناً واضحاً لا يحتمل التأويل، أعلنوا فيه رفضهم القاطع لأي مشروع يقضي بإنشاء مكب للنفايات أو مركز لتجميعها أو معالجتها بالقرب من بلداتهم وأراضيهم الزراعية. وقد حمل البيان توقيع ممثلين عن المليحة، شبعا، زبدين، دير العصافير، وحتيتة التركمان، في مشهد يعكس وحدة الموقف الشعبي تجاه قضية تتجاوز حدود الخدمات إلى قضية تتعلق بالحق في الحياة والبيئة والصحة.
قد يختلف الناس حول المشاريع التنموية، لكن هناك قضايا لا تحتمل المساومة، وفي مقدمتها حق المجتمعات في هواء نقي، ومياه سليمة، وأرض زراعية غير مهددة بالتلوث. لذلك فإن الاعتراض الذي عبر عنه أهالي الغوطة ليس خروجاً على التنمية، ولا رفضاً لمبدأ إدارة النفايات، بل هو رفض لتحويل منطقة زراعية مأهولة، دفعت أثماناً باهظة خلال سنوات الحرب، إلى وجهة جديدة للمخاطر البيئية.
المؤلم أن الغوطة لا تبدأ قصتها اليوم. هذه الأرض التي كانت يوماً توصف بأنها رئة دمشق وسلتها الغذائية تعرضت خلال سنوات طويلة إلى ما يكفي من الكوارث. آلاف الدونمات من البساتين اختفت أو تضررت، والغطاء النباتي الذي كان يميز المنطقة تآكل بصورة غير مسبوقة، والآبار استنزفت، وشبكات الري تضررت، والمياه أصبحت أكثر ندرة وأكثر كلفة، فيما يعاني المزارعون من ارتفاع تكاليف الإنتاج وتراجع الجدوى الاقتصادية للزراعة.
وفي ظل هذا الواقع، يصبح من المشروع أن يتساءل الأهالي: هل الأولوية اليوم هي استعادة الغوطة إلى دورها الزراعي والبيئي، أم إضافة عبء جديد إلى منطقة بالكاد تحاول الوقوف على قدميها؟
أي مشروع يتعلق بالنفايات، مهما كانت تسميته، لا يمكن النظر إليه بمعزل عن آثاره المحتملة. فمراكز التجميع والمعالجة والطمر تحتاج إلى مواقع مدروسة بعناية، وإلى تقييمات أثر بيئي وصحي شفافة، وإلى أنظمة رقابة صارمة، وإلى قبول مجتمعي حقيقي. أما تجاوز هذه العناصر، فإنه لا يخلق إلا أزمة ثقة، ويحول أي مشروع من خدمة عامة إلى مصدر دائم للقلق.
إن أخطر ما في القضية ليس المشروع بحد ذاته، بل العقلية التي قد تعتبر أن المناطق التي أنهكتها الحرب أقل قدرة على الاعتراض، أو أن الأراضي الزراعية أقل قيمة من غيرها عندما يتعلق الأمر بترحيل المشكلات البيئية. وهذه مقاربة لا تنسجم مع أبسط مبادئ العدالة البيئية، التي تقوم على ألّا تتحمل المجتمعات الأكثر هشاشة العبء الأكبر من التلوث.
الغوطة الشرقية ليست أرضاً خالية، وليست مساحة يمكن استخدامها عند تعذّر إيجاد حلول في أماكن أخرى. إنها مجتمع حي، يعيش فيه مئات الآلاف، ويعتمد جزء كبير منهم على الزراعة، وتربطهم بأرضهم علاقة تتجاوز الاقتصاد إلى التاريخ والهوية والانتماء.
وإذا كانت الدولة تسعى فعلاً إلى بناء منظومة حديثة لإدارة النفايات، فإن البداية لا تكون باختيار المواقع المثيرة للجدل، بل بإعداد استراتيجية متكاملة تقوم على تقليل إنتاج النفايات، والفرز من المصدر، وإعادة التدوير، واختيار المواقع وفق معايير علمية معلنة، وبعد حوار حقيقي مع السكان. فالشفافية ليست عائقاً أمام التنمية، بل هي شرط لنجاحها.
البيان الصادر في السادس من آب لم يكن صرخة احتجاج عابرة، بل رسالة تقول إن الغوطة لم تعد تحتمل خسارة جديدة. فمن خسر الأشجار لا يريد أن يخسر التربة، ومن عانى شح المياه لا يريد أن يخاطر بمصادرها، ومن عاش سنوات طويلة بين الدمار لا يريد أن يبدأ مرحلة التعافي بقلق بيئي جديد.
الغوطة لا تطلب امتيازات خاصة، بل تطلب حقاً بسيطاً؛ أن تُعامل باعتبارها منطقة تستحق الإحياء لا الاستنزاف، والتنمية لا التهميش، والحماية لا تحميلها أعباءً إضافية.
فإذا كانت إعادة الإعمار تعني شيئاً، فإن معناها الحقيقي يبدأ بإعادة إعمار الإنسان والبيئة معاً. أما أن تتحول الأرض التي كانت رمزاً للخصب إلى موضع دائم للجدل البيئي، فذلك ليس مشروعاً للتنمية، بل وصفة لإنتاج أزمة جديدة في منطقة لم تخرج بعد من أزماتها القديمة.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1290