«عقيدة الملاقط الثلاثة» والتحول في ميزان القوى الدولي

«عقيدة الملاقط الثلاثة» والتحول في ميزان القوى الدولي

 نقدم في هذه المادة تلخيصاً مكثفاً لأهم الأفكار الواردة في فيديو تحليلي مهم، تم نشره على يوتيوب قبل عدة أيام بعنوان: «إيران توجه ضربة استراتيجية غير متوقعة: الولايات المتحدة تفقد زمام المبادرة».

يحاول الفيديو الانتقال من رصد عام لثلاثة أحداث عالمية كبرى ضمن الصراع الجاري على المستوى الدولي بين القوى الصاعدة والقوى المتراجعة، إلى ربط هذه الأحداث ببعضها البعض، في إطار تحليلي مفيد؛ يسمح بفتح أفق التفكير على مجالات لا تتطرق لها الصحافة اليومية عادةً.
تكمن أهمية الطرح في محاولته الكشف عما يسميه «مناورة استراتيجية واحدة منسقة» جرت في يوليو/تموز 2026، على ثلاثة مسارح متباعدة تماماً، ولكن مترابطة بشدة:
المسرح الملاحي في البحر الأحمر: عبر استراتيجية “الحصار مقابل الحصار” التي ينفذها الحوثيون لضرب الاقتصاد الغربي مع استثناء الصين.
المسرح العسكري في بحر المانش: حيث نفذت روسيا مناورات بالذخيرة الحية لردع بريطانيا وتأمين “أسطول الظل” النفطي.
المسرح الدبلوماسي في قمة منظمة شنغهاي: لطرح نظام أمني إقليمي بديل يستبعد النفوذ الأمريكي تماماً.
إن الربط بين هذه الأبعاد الثلاثة (الاقتصادية، العسكرية، والدبلوماسية) ضمن ما يُعرف بـ “عقيدة الملاقط الثلاثة “ (Triple Vise Doctrine)، يقدم فهماً أعمق لكيفية عمل التحالف الأوراسي (روسيا، الصين، وإيران) ككتلة واحدة تهدف لإنهاء المبادرة الأمريكية واستغلال “نافذة الضعف” الناتجة عن استنزاف المخزونات العسكرية لواشنطن.


 ملخص الفيديو


فيما يلي تلخيص شامل ومبند لأبرز ما ورد في الفيديو حول “عقيدة الملاقط الثلاثة” (Triple Vise Doctrine)، وهي الاستراتيجية التي تنتهجها القوى الأوراسية (روسيا، الصين، وإيران) لمحاصرة النفوذ الأمريكي.


 أولاً: مفهوم “عقيدة الملاقط الثلاثة”


يرى المحللون أن أحداث يوليو/ تموز 2026 ليست مجرد حوادث منفصلة كما تصورها وسائل الإعلام العالمية، بل هي مناورة استراتيجية واحدة منسقة تهدف إلى إفقاد الولايات المتحدة المبادرة في الخليج العربي ومناطق أخرى. تشبه هذه الاستراتيجية “الملاقط” التي تضغط على “المسمار الأمريكي” من ثلاث جهات: اقتصادية، وعسكرية، ودبلوماسية.


 ثانياً: الملقط الاقتصادي (حرب الاستنزاف الجراحية)


تقوم هذه الجبهة على تعاون صيني-إيراني-حوثي لضرب الاقتصاد الغربي مع حماية المصالح الصينية:
استراتيجية “الحصار مقابل الحصار”: أغلق الحوثيون مضيق باب المندب أمام السفن المرتبطة بالسعودية والغرب، مما رفع أسعار النفط فوق 100 دولار للبرميل، وهو ما يمثل ضربة تضخمية قوية للمستهلك الأمريكي قبل موسم الانتخابات.
الاستثناء الصيني: في مقابل العقوبات الأمريكية، تشتري الصين النفط الإيراني عبر قنوات غير رسمية، وبالمقابل تمنح إيران وحلفاؤها “ممرات آمنة” للسفن الصينية. مثال ذلك الناقلات العملاقة التي عبرت باب المندب دون استهداف لأنها عرفت نفسها بأنها “ذات طاقم صيني”، مما يكشف عن نظام امتيازات خاص يحمي سلاسل التوريد الصينية بينما تتعطل إمدادات الغرب.


ثالثاً: الملقط العسكري (التنسيق الميداني والردع الروسي)


تجاوز التعاون بين روسيا وإيران مرحلة التفاهمات إلى التحالف العسكري الفعلي:
الرسائل الروسية في المانش: أجرت الفرقاطة الروسية “نيوستراشيمي” مناورات بالذخيرة الحية في بحر المانش (على بعد 40 ميلاً من بريطانيا)
للرد على استضافة لندن لقاذفات أمريكية تضرب إيران، ولتأمين مرور “أسطول الظل” الروسي الذي يحمل النفط إلى آسيا بعيداً عن العقوبات.
عمليات “نصر 2” و”صاعقة”: نفذت إيران ضربات صاروخية ودقيقة استهدفت مواقع حساسة، منها وحدة الحرب الإلكترونية في الكويت ومركز عمليات أمريكي في التنف بسوريا.
تدمير منظومة ثاد (THAAD): نجحت إيران في إعماء رادار منظومة الدفاع الجوي الأمريكية في الأردن، وهو ما يشير بقوة إلى صول طهران على إحداثيات وبيانات توجيه دقيقة من روسيا والصين، مما يرفع دقة الضربات الإيرانية إلى مستويات غير مسبوقة.


رابعاً: الملقط الدبلوماسي (بناء نظام “ما بعد أمريكا”)


استغلت القوى الثلاث منصة منظمة شنغهاي للتعاون (SCO) لطرح بديل أمني للوجود الأمريكي:
مقترح الأمن الجماعي: قدمت روسيا وإيران تصوراً أمنياً للخليج يهدف لاستبدال الأسطول الخامس الأمريكي بقوة إقليمية تدعمها موسكو وبكين.
التوقيت الاستراتيجي: جاء هذا التحرك بعد يوم واحد من اعتراف واشنطن بوصول المفاوضات مع روسيا بشأن أوكرانيا إلى طريق مسدود، مما أعطى إشارة بأن الولايات المتحدة “مشتتة ومستنزفة” وغير قادرة على إدارة جبهات متعددة.


 خامساً: “نافذة الضعف” وأزمة الثقة مع الحلفاء


تعتبر هذه النقطة هي “قلب” التحليل الجيوسياسي للفيديو، حيث تركز على كيفية استنزاف القوة الأمريكية وتحول بوصلة حلفائها:
استنزاف “مخزون المحيط الهادئ”: يشير الفيديو إلى حقيقة رقمية صادمة، وهي أن الولايات المتحدة استهلكت بالفعل ما بين ثلث إلى نصف مخزونها الاستراتيجي من الأسلحة المخصصة لأي صراع محتمل في المحيط الهادئ (ضد الصين). بلغت التكلفة المالية لهذا الاستنزاف أكثر من 100 مليار دولار (37.5 مليار أُنفقت بالفعل و70 مليار طلبها وزير الدفاع “بيت هيغسيث”).
فترة العجز الاستراتيجي (2-5 سنوات): يرى المحلل “مارك كونسيان” أن إعادة بناء هذه المخزونات سيحتاج من سنتين إلى 5 سنوات، مما يخلق “نافذة ضعف” يمكن للصين وروسيا خلالها اختبار الرد الأمريكي، وهو ما يفسر المناورات الصينية الروسية المشتركة في المناطق الاقتصادية لليابان.
أزمة “اتفاق 123” مع السعودية: وقع الرئيس ترامب اتفاقاً نووياً يسمح للرياض بتخصيب اليورانيوم، لكنه “أطلق النار على قدمه” سياسياً عندما أردفه بمنشور على منصة “تروث سوشيال” يربط الاتفاق بالتطبيع مع «إسرائيل».
تغيير قواعد اللعبة (Moving the Goalposts): اعتبر السعوديون هذا الربط “تغييراً للقواعد” بعد التوقيع، خاصة وأن «إسرائيل» ترفض مسار حل الدولتين الذي تضعه السعودية شرطاً لأي تطبيع.
هذا التخبط الأمريكي يفتح الباب أمام “روس أتوم” الروسية أو شركة “CNNC” الصينية لتقديم تكنولوجيا نووية للرياض دون قيود سياسية أو شروط تتعلق بالتطبيع، مما قد يخلق “تأثير الدومينو” حيث ستطالب تركيا ومصر والإمارات بحقوق تخصيب مماثلة.


 سادساً: الخلاصة والمؤشرات المستقبلية


 تعريف القوة بين “العدد” و”الأثر”: يرى معد الفيديو أن القوة لا تُقاس بعدد القنابل أو امتلاك 50 ألف جندي في المنطقة، بل بالقدرة على فرض السلوك السياسي.
واشنطن فشلت في تحقيق هدفها المعلن وهو “وقف تخصيب اليورانيوم الإيراني” رغم القصف المستمر، بينما لا يزال مضيق هرمز مغلقاً.
مؤشر “الصمت السعودي”: يدعو الفيديو لمراقبة رد الفعل السعودي الرسمي خلال 48-72 ساعة القادمة؛ فإذا استمر “الصمت المطبق” تجاه شروط ترامب، فهذا ليس مجرد صمت دبلوماسي، بل هو إشارة قوية على أن الرياض بدأت بالفعل مفاوضات سرية مع بكين وموسكو لبناء شراكة نووية وأمنية بديلة.
باختصار، يخلص الفيديو إلى أن الولايات المتحدة قد تكون أقوى عسكرياً، ولكنها حالياً الأكثر استنزافاً وتشتتاً، مما يجعل “الملاقط الثلاثة” (الصين، روسيا، وإيران) قادرة على إحداث شروخ في النظام العالمي الذي تقوده واشنطن.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1290