صهاريج المياه... قطاع موازٍ وريع مائي
أينما ذهبت في سورية اليوم، لم تعد المياه تصل عبر الأنابيب بشكل منتظم؛ وحلت محلّها شبكة «البراميل» و«الصهاريج»، وأصبح الوصول إلى مياه الشرب معادلة بسيطة: من يملك المال يملك الماء!
وما تشهده إدلب من أزمة مياه هو نموذج لتحول مياه الشرب من خدمة عامة إلى سلعة في السوق السوداء، وإذا أردنا تعميم الحالة الخاصة بإدلب على عموم سورية، يمكننا القول إن ما يحدث فيها هو صورة مصغّرة ومكثفة لانهيار شامل لقطاع المياه.
فمع خروج أكثر من 68 محطة عن الخدمة، بحسب المدير العام لمؤسسة المياه والصرف الصحي في إدلب، إبراهيم اليماني مطلع آذار 2026، انهارت شبكة التوزيع العامة. ما أوجد فراغاً خدمياً سارع أصحاب الآبار والصهاريج لملئه، وأصبح المواطن تحت رحمة مالكي المياه.
فغياب إدارة قوية قادرة على إعادة تفعيل المضخات، وإصلاح المعطّل منها، واكتفاؤها بالاعتماد على ما تقوم به بعض المنظمات الإنسانية من إعادة تأهيل للبنى التحتية، حول إمدادات المياه إلى أداة بيد مافيات محلية ومتنفذين، باتت تسيطر على مورد أساسي وحيوي.
فتجارة المياه لم تعد نشاطاً هامشياً، والاستثمار في حفر الآبار الخاصة، وغير المرّخصة، وشراء
الصهاريج أصبح قطاعاً اقتصادياً مستقلاً، بينما تحول الفقراء إلى مستهلكين أسرى لهذا الاحتكار.
وبنظرة على الأسعار، نرى أن سعر خزان 5 براميل عبر الصهريج في بعض الأرياف والقرى في إدلب مثلاً قد وصل إلى 198 ألف ليرة، بحجة تكاليف النقل، فيما لا يقل سعره في ريف دمشق على سبيل المثال عن 100 ألف ليرة.
فاستهلاك المياه يلتهم جزءاً كبيراً من دخل الأسرة، ويُضعف قدرتها الشرائية، المنهارة أصلاً؛ فعندما تدفع الأسرة ما لا يقل عن 100 ألف ليرة أسبوعياً للمياه، هذا يعني خفض استهلاكها لسلع أساسية أخرى كالغذاء والدواء.
والأسوأ أن هذه الآبار الخاصة لا تخضع لرقابة، ما يخلق أزمة صحية صامتة. فتحول المياه إلى سلعة يغري التجار بتقديم أقل تكلفة– أي مياه غير معالجة– لتحقيق هامش ربح أعلى، وهذا يُنذر بتفشي الأمراض، ويحول أزمة توزيع المياه إلى كارثة صحية عامة.
فالمقتدرون يستطيعون شراء المياه المفلترة والنظيفة، فيما يلجأ الفقراء إلى مياه مصادرها غير موثوقة. ويكرس هذا النظام لا مساواة عميقة، ويحوّل حقاً أساسياً إلى سلعة كمالية، ويجعل مستقبل سورية المائي مرهوناً بقدرة الدولة على استعادة دورها.
فلم تعد المياه مرتبطة بتوفر البنية التحتية فقط، بل أصبحت مرتبطة بالقدرة الشرائية. وأزمة مياه الشرب هنا هي مرآة لأزمة الدولة والمؤسسات الغائبة. فالحلول المؤقتة (الصهاريج) تديم الأزمة وترسّخ مصالح اقتصادية ضيّقة تستفيد من استمرار ضعف الشبكة العامة.
ومن دون تدخل جذري لإعادة تأهيل المحطات والبنى التحتية، ستتحول إدلب وعموم المناطق المفقرة إلى ساحة صراع عنوانها الأساسي «قطرة ماء»!
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1270
سلمى صلاح