العاصمة الإدارية الجديدة قرب دمشق... الطموح المشروع والأسئلة المؤجلة
أثار الحديث المتداول عن إنشاء عاصمة إدارية جديدة قرب دمشق نقاشاً واسعاً بين مرحّب يرى في الفكرة خطوة تحديثية، ومتحفّظ يطالب بإجابات واضحة قبل الانتقال من التصور إلى التنفيذ.
فالمشروع– كما يُروَّج له– يهدف إلى تخفيف الضغط عن العاصمة الحالية، ونقل مراكز الحكم إلى موقع أكثر تنظيماً واتصالاً بشبكات الطرق الإقليمية. غير أن الطموح العمراني، مهما بدا جذاباً، يحتاج إلى أرضية صلبة من الشفافية والجدوى الواقعية.
أول ما يلفت الانتباه هو غياب إعلان حكومي تفصيلي يتضمن مرسوماً تشريعياً، ودراسة جدوى منشورة، وخطة تمويل واضحة. كما أن الإشارة إلى اتفاق مع شركة لم يُعلن عن اسمها تفتح باب التساؤلات حول آليات التعاقد، ومصادر التمويل، وضمانات الحوكمة. ففي مشاريع بهذا الحجم، لا تكفي العناوين العامة، المطلوب أرقام، جداول زمنية، ونصوص قانونية قابلة للتدقيق.
اقتصادياً، يبرز سؤال الأولويات. هل تمثل العاصمة الجديدة أولوية ملحة مقارنة بإعادة تأهيل البنية التحتية المتضررة، وتحسين خدمات الكهرباء والمياه والنقل في المدن القائمة؟
تجارب مشابهة– مثل العاصمة الإدارية الجديدة في مصر– أظهرت أن الكلفة الفعلية قد تتجاوز التقديرات، وأن وتيرة الإشغال السكاني قد لا تواكب سرعة البناء، ما يخلق فجوة بين الاستثمار والطلب الحقيقي.
تخطيطياً، نقل المؤسسات لا يعني تلقائياً حل أزمة الازدحام في دمشق. فجذور المشكلة ترتبط بضعف النقل العام، وتداخل الاستعمالات، وتركز الوظائف في قلب المدينة. من دون إصلاح شامل لمنظومة الإدارة الحضرية، قد نجد أنفسنا أمام ازدواجية: عاصمة إدارية حديثة من جهة، ومدينة تاريخية ما زالت مثقلة بالاختناقات من جهة أخرى.
أما الوعود المتعلقة بسرعة الوصول إلى مطار دمشق الدولي أو إنشاء شبكة مترو حديثة، فتفترض استثمارات ضخمة في النقل والبنية التحتية. تطوير سكة حديد الحجاز إلى قطار خفيف مثلاً يتطلب إعادة تأهيل شاملة وتكنولوجيا تشغيل متقدمة، وهو مشروع قائم بذاته قبل أن يكون جزءاً من عاصمة جديدة.
سياسياً وقانونياً، نقل العاصمة– إن كان المقصود عاصمة حكم كاملة الصلاحيات– قد يستدعي تعديلات دستورية وإعادة تنظيم مؤسسات الدولة. كما أن إشراك المجتمع المحلي في القرار، وضمان تعويضات عادلة في حال وجود استملاكات، يمثلان شرطين أساسيين لأي مشروع وطني جامع.
تجارب دولية من برازيليا إلى نوسانتارا تؤكد أن نجاح نقل العواصم يرتبط باستقرار اقتصادي طويل الأمد، وتمويل مستدام، ورؤية عمرانية واضحة تحظى بقبول شعبي. فالعاصمة ليست مجرد أبنية حكومية، إنها منظومة حياة واقتصاد وثقافة.
الخلاصة أن فكرة العاصمة الإدارية الجديدة قد تحمل بعداً تحديثياً واعداً، لكنها تحتاج إلى نقاش وطني شفاف، وإلى دراسات منشورة تبرر الكلفة وتحدد العائد، قبل أن تتحول من تصور إعلامي إلى التزام استثماري طويل الأمد.
فالمشاريع الكبرى لا تُقاس بحجم الخرائط، بل بقدرتها على تحسين حياة المواطنين فعلياً، من دون أن تضيف أعباء جديدة على اقتصاد يواجه تحديات جسيمة.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1267