مؤشر «نومبيو»، سياحي بثوب معيشي، سورية الأقل تكلفة عربياً...!
رهف ونوس رهف ونوس

مؤشر «نومبيو»، سياحي بثوب معيشي، سورية الأقل تكلفة عربياً...!

25 نقطة، ليس مجرد رقم بل مفارقة إحصائية تستحق التوقف عندها، فقد صُنِفت سورية على أنها الدولة الأقل تكلفة وفق التقرير السنوي لمنصة «نومبيو» العالمية لمؤشر تكلفة المعيشة الصادر مطلع العام الحالي، لكن خلف هذا المؤشر تختبئ حقيقة أكثر قسوة تتجاوز لعبة الأرقام هذه، فالفجوة الهائلة بين انهيار قيمة الليرة وارتفاع الأسعار محلياً، يجعل من هذا التصنيف خدعة رقمية لا تعكس المعاناة اليومية للمواطن السوري.

فالتصنيف وضع سورية في ذيل القائمة، بينما الإمارات تصدرتها عربياً بـ (55,2)، هذه القيم تبدو منطقية للوهلة الأولى، سلع غذائية رخيصة بالقياس إلى الدولار، كذلك تدنٍ بأسعار الخدمات مقارنة بدولة الإمارات رأس التصنيف، لكن هذا المنطق ينهار عند الغوص في التفاصيل.
فمؤشر «نومبيو» يقيس أسعار السلع والخدمات كأرقام مجردة متناسياً العامل الأهم الأكثر تأثيراً في سورية أو غيرها، ألا وهو مستوى الدخل والقدرة الشرائية للمواطن، وهنا يكمن جوهر الأمر.
ففي الاقتصاد لا قيمة للرقم بمعزل عن سياقه، فأن تقول سلة الغذاء في دمشق أرخص من مثيلتها في دبي يعد صحيحاً بالمعيار الرقمي المجرد لكن خلط هذا الرقم مع مؤشر تكلفة المعيشة يجعلك تشعر بسهولة العيش في سورية، وهنا تكون المغالطة بعينها!
فمثلاً في دولة الإمارات العربية المتحدة، مؤشر القدرة الشرائية مرتفع والدخل متناسب إلى حدٍ ما مع الأسعار (علماً أنها تعتبر مرتفعة) لكن هذا لا ينطبق على سورية، فالواقع مختلف جذرياً أمام متوسط تكاليف المعيشة لأسرة سورية مكونة من 5 أفراد بلغ 11,6 مليون ل.س وفق «مؤشر قاسيون لتكاليف المعيشة» لبداية عام 2026، بينما الحد الأدنى لتكاليف المعيشة للأسرة نفسها بلغ 7,258,847 مليون ل.س، مقابل حد أدنى للأجور بالكاد يصل إلى مليون ليرة، وهذا يؤكد التناقض الواضح مع صورة «الرخاء الرخيص» الذي رسمها المؤشر العالمي، وأمام هذه المفارقة كان من المفترض أن يتبعها تفسير واضح، بأن وضع سورية في ذيل القائمة في تكلفة المعيشة لا يعني بالضرورة سهولة العيش ويجب الاعتماد أساساً في التصنيف بناءً على الفجوة الكبيرة بين مستوى الدخل وأسعار السلع والخدمات، وذلك على اعتبار أن المنصة تدّعي الموضوعية والمصداقية وبالتالي تتطلب دراسة جوانب الواقع السوري كافة قبل الإقرار برقم لا يلامس حقيقة ما يعيشه السوريون!
هذا كله يضعنا أمام الأخطر من ذلك، وهو تعميم هذا التقرير أو التصنيف بهشاشة مصادره والاستشهاد به مثلاً في دراسات أخرى، فالمنصة تعتمد على استبيانات يملؤها مستخدمون متطوعون وفق تصوراتهم وآرائهم دون تمثيل إحصائي دقيق للسكان، بمعنى أن أي شخص مسجل يمكنه التأثير على النتائج.

هذا المؤشر يصلح كدليل سياحي أكثر من كونه مؤشر لتكلفة المعيشة، فهو ربما يخاطب المغترب أو السائح، وهذا صحيح وفق دخل ثلاثة آلاف دولار أو أكثر يجعلك تعيش بحبوحة ورغد في دولة، المواطن فيها يعجز عن شراء رغيف الخبز.
لكن تحويل هذا المنطق إلى «مؤشر معيشي» هو إهانة واستهزاء بمعاناة شعب يعيش أكثر من 90% من سكانه تحت خط الفقر.
فهذا المؤشر العالمي يفرغ مصطلح تكلفة المعيشة من مضمونه الاجتماعي والاقتصادي، وهو مجرد أرقام للاستهلاك الإعلامي السريع، لا تعبر عن الواقع المعيشي للمواطن السوري بشكل خاص. فحين يكون ثمن «كيلو غرام البندورة» رخيصاً لكن المواطن لا يستطيع شراءه، فالمشكلة ليست في السلعة، بل في ظلم السياسات المتوحشة التي تتجاهل جيبه المفقر، بل تسعى جاهدة إلى إفقاره!
وهو على ذلك لا يستحق أن يُقرأ في قوائم الاقتصاد الجاد. فحينما تصنف سورية كالأرخص عربياً فإن هذا ليس خطأ إحصائياً فحسب، بل هو انفصال تام عن الواقع ويرقى إلى درجة «العبث العلمي».
فالموضوعية التي تدعيها المنصة لا تتناسب مع أرقامها التي تقدمها وكأنها «هدايا ترويجية» قد تستثمر للابتزاز السياسي كما غيرها من أدوات الابتزاز، متجاهلة أن المواطن السوري يتعامل بليرة منهكة، ولا يتقاضى راتبه بالدولار، ويدفع فواتيره به، ويشتري رغيف الخبز بأسعار نيويورك.

فما قيمة أن تكون السلعة «رخيصة» عالمياً إذا كان المواطن لا يستطيع شراءها محلياً؟
وأي «تكلفة معيشة» هذه التي تُحتسب بمعزل عن الدخل والقدرة الشرائية، وكأن المواطن السوري مجرد رقم عابر في معادلات لا تعنيه؟
فالمؤشرات التي تتجاهل الواقع المحلي لا تستحق أن توصف «بالعلمية»، بل تستحق أن توصف «بالدعائية» بأحسن أحوالها. فإذا كان الهدف من «نومبيو» هو رسم خريطة للسياح الباحثين عن رحلة رخيصة، فليُقَل ذلك صراحةً، والتوقف عن التخفي خلف عباءة الاقتصاد، أما إذا كان الادعاء أنه مؤشر معيشي، فليُسمح لنا بالضحك، ففي سورية حتى الضحك أصبح بأثمانٍ باهظة.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1267