استراتيجية 2026–2030 الزراعية... رؤية طموحة أم انسحاب تدريجي

استراتيجية 2026–2030 الزراعية... رؤية طموحة أم انسحاب تدريجي

نشرت وزارة الزراعة والإصلاح الزراعي عبر صفحتها الرسمية بتاريخ 23 شباط 2026 بياناً صادراً عن دائرة الإعلام الزراعي تعلن فيه إطلاق الاستراتيجية الزراعية للمرحلة 2026–2030، بوصفها خطة شاملة لتطوير القطاع الزراعي وتعزيز الأمن الغذائي واستدامة الموارد الطبيعية، مع توسيع دور القطاع الخاص واعتماد التكنولوجيا والزراعة الذكية.

ورغم اللغة الطموحة التي صيغت بها الوثيقة، فإن القراءة المتأنية لمضمونها تثير جملة من الملاحظات النقدية الجوهرية، سواء على مستوى الرؤية أو الأدوات أو قابلية التنفيذ.


عمومية الأهداف وغياب المؤشرات الملزمة


تطرح الاستراتيجية عناوين كبيرة مثل «تحقيق الأمن الغذائي» و«استدامة الموارد» و«تعزيز سلاسل القيمة»، لكنها لا تقدم مؤشرات كمية واضحة أو جداول زمنية تفصيلية قابلة للقياس والمساءلة. فالحديث عن «مرونة» الخطة وقابليتها للتعديل وفق المتغيرات قد يكون مبرراً في سياق اقتصادي وسياسي غير مستقر، لكنه في الوقت ذاته يمنح الخطة طابعاً عائماً وفضفاضاً، يفتقر إلى الالتزامات الصريحة.
فإذا كانت مساهمة القطاع الزراعي في الناتج المحلي قد تراجعت من 23% عام 2005 إلى 13% عام 2022، وكان إنتاج القمح والشعير في انخفاض مستمر، فإن المطلوب ليس توصيف الأزمة فقط، بل تحديد أهداف رقمية ملزمة لاستعادة جزء من هذا الدور، مع توضيح آليات التمويل.


حياد الدولة أم إعادة تعريف لدورها؟


من أبرز ما يلفت الانتباه في الاستراتيجية هو التركيز المتكرر على «مشاركة القطاع الخاص» في الإنتاج والتصنيع والتسويق، مقابل إبراز دور الدولة في «تحسين الخدمات» و«إعادة الهيكلة» و«تخفيف العبء عن الدولة».
هذا الطرح يشي بتوجه ضمني نحو تكريس حياد الدولة عن العملية الإنتاجية المباشرة في الزراعة، والاكتفاء بدور تنظيمي وخدمي. غير أن القطاع الزراعي– بخلاف قطاعات أخرى– يرتبط عضوياً بالأمن الغذائي والسيادة الوطنية، ما يجعل انسحاب الدولة أو تقليص إنفاقها العام تحت عنوان «تخفيف الأعباء» مسألة شديدة الحساسية.
فكيف يمكن تنفيذ خطة طموحة لإعادة هيكلة الإنتاج، وتوسيع شبكات الري الحديث، وتأهيل الغابات، ودعم البحث العلمي، مع استمرار سياسات تخفيض الإنفاق العام؟
وما هي الموارد المالية التي ستغطي تكاليف التحول نحو الزراعة الذكية والتحول الرقمي، إذا كانت الدولة تقلص دورها الاستثماري؟


القمح... الأمن الغذائي بلا دعم واضح


القمح، بوصفه محصولاً استراتيجياً مرتبطاً مباشرة بالأمن الغذائي، لم يحظَ في النص المنشور بأي صياغة صريحة تؤكد التزام الدولة بدعمه مالياً وتسويقياً وسعرياً. جرى الحديث عن «إنعاش زراعة القمح» ضمن قائمة مشاريع داعمة، لكن من دون تحديد آلية تسعير مجزية، أو ضمان شراء حكومي، أو دعم لمستلزمات الإنتاج.
في ظل تقلبات المناخ وارتفاع تكاليف المدخلات، فإن أي حديث عن أمن غذائي وطني لا يستند إلى سياسة دعم واضحة لمحصول القمح يبقى ناقصاً. إذ لا يمكن ترك هذا المحصول لمعادلات السوق وحدها، ولا لاعتبارات الربحية قصيرة الأجل، دون مخاطر استراتيجية.


المحاصيل الصناعية...تشخيص بلا خطة إقلاع


أشارت الاستراتيجية إلى إعادة هيكلة بعض المحاصيل الصناعية «الأقل جدوى» مثل الشوندر السكري والقطن، مع التوجه نحو محاصيل ذات قيمة مضافة أعلى كالمحاصيل الطبية والعطرية. غير أن المشكلة في الشوندر والقطن لم تكن زراعية بحتة، بل مرتبطة بسلاسل إنتاج كاملة تشمل التسعير، والدعم، والطاقة، وتشغيل المعامل، وسياسات الاستيراد.
لم يظهر في الوثيقة تصور متكامل لإعادة إقلاع إنتاج هذه المحاصيل من خلال:
إعادة تفعيل دور الدولة في شراء المحصول بأسعار تشجيعية.
ربط الإنتاج الزراعي بخطط تشغيل المعامل الوطنية.
حماية الصناعات المحلية التي تعتمد على هذه المحاصيل كمدخلات إنتاج أساسية.
ضمان مصلحة المزارعين وعدم تحميلهم وحدهم مخاطر التحول.
فالقطن، على سبيل المثال، ليس مجرد محصول زراعي، بل قاعدة لسلسلة صناعات نسيجية وتشغيلية واسعة. وكذلك الشوندر يرتبط بصناعة السكر الوطنية. إن الاكتفاء بوصفها «أقل جدوى» دون معالجة أسباب تراجعها البنيوية قد يؤدي إلى تفكيك قطاعات إنتاجية متكاملة.


التنمية الريفية بين الخطاب والتمويل


تضع الاستراتيجية التنمية الريفية في صلب محاورها، بما يشمل تنويع الدخل والحد من الهجرة وخلق فرص عمل. غير أن التنمية الريفية تحتاج إلى استثمارات في البنى التحتية، والطرق الزراعية، والتمويل الصغير، والدعم الإرشادي، وهي جميعاً مجالات تتطلب إنفاقاً عاماً منظماً وطويل الأمد.
وفي ظل تأكيد الخطة على «تخفيف العبء عن الدولة»، يبرز تناقض جوهري:
هل يمكن تحقيق تنمية ريفية حقيقية في غياب دور مالي وتنموي قوي للدولة؟


الزراعة الذكية...بين الطموح والقدرة التنفيذية


الحديث عن منظومة إنذار مبكر، والتحول الرقمي، والزراعة الذكية، يعكس توجهاً حداثياً مهماً، لكنه يتطلب:
بنية تحتية رقمية مستقرة.
تدريباً واسعاً للمزارعين.
تمويلاً لتحديث المعدات.
قدرة مؤسساتية على إدارة البيانات.
من دون خطة تمويل واضحة، قد تبقى هذه العناوين في إطار المشاريع التجريبية المحدودة، لا التحول البنيوي الشامل.


الزراعة لا تدار بمنطق تخفيض الإنفاق وحياد الدولة


الاستراتيجية الزراعية 2026–2030، كما وردت في بيان وزارة الزراعة والإصلاح الزراعي بتاريخ 23/2/2026، تمثل محاولة لصياغة رؤية شاملة لإعادة تعافي القطاع بعد سنوات من التراجع. لكنها في صيغتها المعلنة تبدو أقرب إلى إطار توجيهي عام منها إلى خطة تنفيذية ملزمة.
الإشكالية الأبرز لا تكمن في الأهداف المعلنة، بل في الفجوة بين الطموح والسياسات الاقتصادية السائدة، وخاصة توجهات تخفيض الإنفاق العام وتعزيز حياد الدولة.
فالزراعة، بحكم ارتباطها بالأمن الغذائي والسيادة الاقتصادية، لا يمكن أن تدار بمنطق تقليص الدور العام فقط.
إن أي نهضة زراعية حقيقية تستلزم وضوحاً في:
دور الدولة الإنتاجي والتمويلي.
سياسات الدعم والتسعير، خاصة للقمح.
إعادة بناء سلاسل المحاصيل الصناعية.
ضمان حماية المزارع الصغير من تقلبات السوق.
من دون ذلك، قد تبقى الاستراتيجية إطاراً نظرياً طموحاً، يفتقر إلى الأدوات الكفيلة بتحويله إلى تحول فعلي في بنية القطاع الزراعي.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1267