تقرير صندوق النقد الدولي في 25 شباط 2026... احتفال رسمي بلا أرقام
من يقرأ بيان بعثة صندوق النقد الدولي الأخير حول سورية بتاريخ 25 شباط 2026، ويطالع في الوقت نفسه عبارات الحماسة التي صدرت عن كل من حاكم مصرف سورية المركزي ووزير المالية السورية عبر صفحات «فيسبوك» الخاصة بكل منهما بالتاريخ نفسه، يخيّل إليه أننا أمام معجزة اقتصادية غير مسبوقة. لكن التمحيص الهادئ يكشف أننا أمام نص إنشائي فضفاض، خالٍ من الأرقام، ومليء بالوعود المعلّقة في الهواء.
لغة إنشائية بلا أرقام
يقول التقرير إن الاقتصاد «يواصل إظهار بوادر تعافٍ حقيقية»، ويتحدث عن «تسارع واضح في وتيرة النشاط الاقتصادي»، و«تباطؤ ملحوظ في التضخم»، و«تحسن سعر الصرف مقارنة بعام 2024»، و«الوصول إلى تضخم منخفض من خانتين بنهاية 2025».
لكن أين الأرقام؟
ما هو معدل النمو؟
كم بلغ التضخم فعلياً؟
ما هو سعر الصرف الذي يُقاس عليه التحسن؟
ما حجم الاحتياطيات؟
ما كلفة «الموقف النقدي الصارم» على الإنتاج والأجور والطلب الداخلي؟
لا شيء.
البيان، كما التصريحات الرسمية، يتجنب الخوض في أية معطيات رقمية دقيقة، ويكتفي بتوصيفات عامة مطاطة يمكن إسقاطها على أي سياق. وهذا بحد ذاته مثير للريبة؛ حين يكون الأداء قوياً فعلاً، تُعرض الأرقام بثقة. أما حين يغيب القياس الكمي، فغالباً ما تكون اللغة بديلاً عن الواقع.
بهجة رسمية غير مفهومة
حاكم المصرف المركزي عبّر عن تطلع للعمل مع الصندوق في «إصلاحات القطاع المالي» و«تعزيز الاستقلالية» و«وضع إطار حديث للسياسة النقدية»، فيما رأى وزير المالية أن التقييم الإيجابي «يُقرّب سورية خطوة إضافية نحو إعادة الاندماج في المنظومة الاقتصادية الدولية»، وأنه سيعزز «ثقة المستثمرين الدوليين».
لكن السؤال الجوهري:
هل المطلوب هو نيل شهادة حسن سلوك من الصندوق؟
أم بناء اقتصاد وطني منتج مستقل؟
التجارب العالمية– من أمريكا اللاتينية إلى إفريقيا مروراً بعدد من الدول العربية– تُظهر أن «وصفات» صندوق النقد الدولي تكاد تكون نمطية؛
تشديد نقدي.
خصخصة وتقليص إنفاق عام.
رفع دعم.
توسيع ضرائب غير مباشرة.
إعادة هيكلة مصرفية غالباً ما تنتهي بتركيز أكبر للقطاع المالي.
والنتيجة في كثير من الحالات كانت: ركود، بطالة، تآكل قدرة شرائية، وتراجع في السيادة الاقتصادية لصالح التزامات خارجية.
سيادة القرار أم إدارة من الخارج؟
يتحدث التقرير عن «تمكين المصرف المركزي» و«تعزيز استقلاليته» و«إطار حديث للسياسة النقدية» و«إعادة هيكلة وتأهيل النظام المصرفي». ظاهرياً، تبدو هذه عناوين إصلاحية. لكن التجربة تقول إن هذه العناوين كثيراً ما تعني عملياً إخضاع السياسة النقدية لأولويات الاستقرار الاسمي (التضخم وسعر الصرف) على حساب النمو والتشغيل، وربط النظام المالي بشروط ومعايير خارجية تحد من مرونة القرار الوطني.
الأخطر هو الإصرار على استئناف «مشاورات المادة الرابعة»، بما يحمله ذلك من رقابة دورية لصيقة على السياسات الاقتصادية.
فهل نحن أمام تعاون تقني متوازن؟
أم أمام تعميق لدور مؤسسة دولية في رسم السياسات السيادية؟
رهان خاسر يتكرر
ليست المشكلة في الحوار مع المؤسسات الدولية بحد ذاته. المشكلة في الارتهان لوصفات جاهزة، ثبت في تجارب عديدة أنها تؤدي إلى كوارث اجتماعية...
اتساع الفجوة الطبقية.
تحميل الفئات الأضعف كلفة «الإصلاح».
تآكل الصناعة الوطنية أمام الانفتاح غير المتكافئ.
رهن القرار الاقتصادي بالتزامات طويلة الأمد.
لقد دفعت مجتمعات كثيرة أثماناً باهظة نتيجة التعويل المفرط على سياسات الصندوق. والسؤال المؤلم: لماذا الإصرار على إعادة التجربة ذاتها وتوقّع نتائج مختلفة؟
تعافٍ لمن؟
حين يُقال إن الاقتصاد يتعافى، يجب أن يُسأل:
هل تعافت الأجور؟
هل تعافت القدرة الشرائية؟
هل عاد الإنتاج الصناعي والزراعي إلى مستويات مستقرة؟
هل انخفضت معدلات الفقر فعلياً؟
غياب هذه المؤشرات من البيان والتصريحات يثير الشك في أن «التعافي» المقصود هو تعافٍ في المؤشرات المالية الكلية فقط، لا في حياة الناس اليومية.
الأثمان الباهظة
الرسالة الرسمية تقول إن البلاد «تدخل مرحلة جديدة من التعافي الاقتصادي المنظم». لكن من دون أرقام، ومن دون نقاش علني شفاف حول كلفة السياسات المقترحة، ومن دون ضمانات واضحة لحماية الفئات الاجتماعية الأضعف، يبدو هذا التفاؤل أقرب إلى احتفال مبكر منه إلى قراءة واقعية.
الرهان المستمر على وصفات صندوق النقد الدولي، بوصفها طريقاً وحيداً للاندماج الدولي، قد يتحول إلى رهان خاسر جديد، تُدفع كلفته من السيادة الاقتصادية ومن جيوب المواطنين.
والأخطر من كل ذلك، أن الإصرار على المسار نفسه– رغم دروس الماضي– يوحي بأن هناك استعداداً لتحمّل أثمان باهظة مرة أخرى، على حساب مقدرات الوطن واستقلال قراره الاقتصادي.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1267