السورية للتجارة... التضحية بآخر ما تبقى من شبكات الحماية الاجتماعية!
في خطوة جديدة نحو «اقتصاد السوق المفتوح» أُعيد فتح ملف «استثمار» صالات السورية للتجارة، وهذه المرة لم يكن الحديث كما ورد في شهر آب من العام الماضي؛ أي تنظيم مزاد علني لتشغيل أكثر من 1500 عقار تابع للمؤسسة. فاليوم تتحدث وزارة الاقتصاد عن إدارة وتشغيل نحو 500 صالة تابعة «للسورية للتجارة» خلال عام، عبر شراكة مع مستثمر خارجي، بهدف توفير المنتجات الرئيسية للمواطنين بأسعار تنافسية.
فالدولة اليوم، كما أكد نائب وزير الاقتصاد، ماهر الحسن، على شاشة الإخبارية في 23 شباط، ليست مُصنّعاً أو تاجراً أو منافساً، ويقتصر دورها على «التنظيم» و«الرقابة».
وما سيجعل هذا «المستثمر» قادراً على تقديم سلع بأسعار منخفضة مقارنة بالسوق، هو الإعفاءات الجمركية العالية التي سيحصل عليها، وهذا الإجراء سيخلق، وفق منطق «السوق» نفسه، ساحة غير متكافئة لصالح التاجر الأجنبي. فيما صغار التجار خاصة سيجدون أنفسهم عاجزين عن منافسة أسعار كيان عملاق مُعفى من الرسوم الجمركية، ما سيدفع بقطاع التجزئة المحلي إلى الإفلاس.
فالخطوة لا تهدف إلى خلق «اقتصاد تنافسي»، بقدر ما هي تقديم السوق على طبق من ذهب إلى احتكار أجنبي خاص، يفتك بالمستهلكين والمنافسين الصغار، مستغلاً الميّزة غير العادلة التي منحتها له الحكومة.
تفكيك آخر ما تبقى من أمان
من الجدير بالذكر، أن «السورية للتجارة»، رغم ما عانته من فساد وسوء إدارة، كانت خلال العقود الماضية إحدى أدوات الدولة المحدودة للتخفيف من حدة الأزمة المعيشية، فكانت تقدم سلعاً غذائية أساسية، إلى جانب الأدوات الكهربائية والسلع المعمّرة، بأسعار شبه مدعومة، في محاولة لامتصاص جزء من صدمة انهيار القدرة الشرائية.
وطالما أن الحكومة الانتقالية اصطدمت بعد أكثر من عام بضرورة وجود سلع تناسب القدرة الشرائية، فلماذا لا تفسح المجال لتستعيد الدولة دورها لتكون عبر المؤسسة كتاجر الجملة العملاق للمواد والسلع الأساسية، وخاصة الغذائية، مثل السكر والرز والزيت والشاي والمعلبات، استيراداً وتوزيعاً وبيعاً، سواء عبر صالاتها مباشرة أو من خلال تجار الجملة ونصف الجملة وباعة المفرق.
بدلاً من الاستمرار في نهج إجهاض أي دور للدولة، واستكمال السياسات الاقتصادية للسلطة الساقطة، عبر تقديم الخدمات الجليلة لكبار الحيتان والمستوردين فقط، وصولاً إلى «تعهيد» الأصول لمستثمر أجنبي!
ريعية جديدة تحت غطاء التحديث
بين مسؤول يطالب التجار «بالتقوى» وآخر يتحدث عن «السوق الحر»، وثالث يمنح «إعفاءات حصرية»، تتخبط السياسات الاقتصادية وتنفجر غلاءً فاحشاً في وجه المواطن المعدم.
فما يتم التخطيط له وتنفيذه تباعاً ليس إصلاحاً بقدر ما هو تحويل لأصول الدولة الثمينة إلى أصل ريعي يُستثمر لتحقيق أرباح هائلة لقلّة منتفعة. فيما تتخلى الدولة عن مهامها وتتحول إلى «وسيط عقاري» يسهّل دخول مستثمر «كبير» في ظل أزمة معيشية
خانقة، وليصبح المواطن الذي انهار دخله فريسةً لتسعير يحكمه كيان احتكاري جديد، لكن هذه المرة بأيادٍ وإدارة أجنبيّتين!
وبكل اختصار إن هذه «الصفقة» مقامرة بقوت الناس، وبالنسيج الاجتماعي، وتنازل عن الدور السيادي للدولة في حماية المستهلك، بل وتقديمه قرباناً لسوق لا يرحم.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1267