حليب الرضع أحد نماذج الاحتكار المتوحش
نادين عيد نادين عيد

حليب الرضع أحد نماذج الاحتكار المتوحش

بعد انقطاع مادة حليب الأطفال دون عمر السنة لأسابيع عدة، عادت لتتوفر المادة كما السابق، وكأنما الأزمة لم تكن!

وجاء طرح المادة في الأسواق بعدما «استجابت» وزارة الصحة يوم 24 أيلول الماضي، لطلب مستودعات حليب الأطفال المحلية «نستلة- والحمرات للأدوية»، ليتم طرح أسعار جديدة لعبوات الحليب التالية «نان- كيكوز- أس 26- سويسلاك»، ووفقاً لتعميم وزارة الصحة تراوحت الأسعار بين 10,500 و15,900 ليرة سورية حسب الجدول (1).

10383

سيناريو رفع الأسعار السوري

سيناريو رفع الأسعار السوري نموذج قديم واحد ودائم التكرار على جميع السلع الغذائية أو غيرها... فالنموذج الموحد كالتالي:
تُفقد سلعة ما من الأسواق فترة زمنية، وهذه الفترة طولها وقصرها لا يعتمد على أهمية المادة، ومدى قدرة المواطن على العيش بدونها، إنما على درجة «استواء» هذا المواطن التي تجعله معها يرفع الراية البيضاء رضوخاً لتوفير المادة، مقابل أي مبلغ مادي يفرضه جشع المحتكرين، وخلال السنوات الماضية تم اعتماد هذا النموذج على الكثير من السلع والمواد، وما زال ساري المفعول، محققاً نجاحات باهرة تصب أرباحاً كبيرة في جيوب حيتان الاحتكار.

حليب الرضع أحد النماذج

أهم تلك السلع التي أسقط عليها السيناريو السابق، أزمة توفر مادة حليب الأطفال دون عمر السنة، فالمادة فقدت لأسابيع عدة، لتعود وبقدرة قادر لتتوفر في الصيدليات وبكثرة بعد قرار تعديل أسعارها، وكأنما لم توجد أزمة قد تسببت بالجوع للرضع، وربما للمرض، فالإتجار والاستغلال قد وصل لهذا الحد من اللاإنسانية، وليس ذلك فقط، بل تنسف الأسباب التي أُرجع فقدانها إليها.
فقد نفى عضو لجنة نقابة الصيادلة السورية «وجود احتكار للمادة، مرجعاً سبب فقدان بعض الأصناف وارتفاع أسعارها إلى تأخر الاستيراد، ونفاذ جميع الكميات القديمة المستوردة وفق سعر الصرف 1250 ليرة سوري، وفي حين أن السعر الرسمي الحالي 2500 للدولار». الأمر الذي سقط مباشرة مع توفر المادة بعد تعديل سعرها مباشرة، أي أنها متوفرة في المستودعات ولدى المستوردين، حيث أعيد توزيعها في الأسواق مباشرة، ما يعزز دور الاحتكار ولا ينفيه!
ومن الجدير بالذكر، أن فقدان مادة الحليب من الأسواق خلال الفترة القريبة الماضية ليس الأول من نوعه، بل دائم التكرار، وتكراره مرتبط باضطراب سعر الصرف، وما يحصل، أن المادة تُحتكر من قبل المستودعات المستوردة للمادة والموزعين أيضاً، فيمنع توزيعها وبيعها إلى أن تُلبى مطالبهم بتعديل الأسعار، وهكذا دواليك.

إنتاج الحليب محلياً ما المعيق؟!

ويبقى السؤال المطروح: لما لا ينتج الحليب الصناعي لما دون السنة محلياً؟
طالما أنه توجد لدينا معامل لإنتاج الحليب لما فوق عمر السنة، فما المعيق بذلك؟
هل الصعوبة هنا تكمن بالتقنيات المطلوبة لتجهيز المعامل نظراً للمعالجة العالية التي يحتاجها هذا النوع من الحليب، أم أن المشكلة تكمن بمنح التراخيص العالمية وفقاً لمعايير الجودة المطلوبة، مع الإشارة إلى توفر مصانع أدوية محلية عالية التطور تنتج الكثير من أصناف الأدوية، وتصدرها أيضاً.
أم أن المعيق أبعد من الحسابات الخارجية، وحسابات التقانات والمعايير الواجب توفرها في المعامل، بل محصور ضمن الحسبة المحلية لمصالح كبار الحيتان المسيطرين على عمليات استيراد وتهريب هذا النوع من الحليب؟!

تكاليف اضطرارية مرتفعة

السيئ بفقدان هذه المادة، أن الرضيع ليست لديه بدائل غذائية يمكن الاعتماد عليها سوى الحليب الطبيعي أو الحليب الصناعي، وخاصة لمن هو دون السنة، حيث يحتاج الحليب لمعالجة عالية ليصبح أقرب لحليب الأم، وطبعاً يصنع حليب الأطفال دون عمر السنة وفق معايير صحية دولية خاصة.
وإن استحالت إمكانية الرضاعة الطبيعية لأسباب عديدة، سواء كانت عدم كفاية حليب الأم أو لأسباب مرضية تمنع الأم من إرضاع طفلها، فلا يبقى أمامهم سوى الحليب الصناعي لتأمين الغذاء الضروري لبقاء الطفل على قيد الحياة.
ويعاني الأهل من صعوبة تأمين الحليب لأطفالهم بسبب انخفاض الأجور التي يستحيل معها تأمين مثل هذه الأغذية الضرورية المرتفعة التكاليف والسريعة الاستهلاك أيضاً، فقد تم احتساب حاجة الرضيع من الحليب الصناعي بالإضافة لتكاليف تأمينه حتى عمر الستة أشهر، كونه بعد هذه المرحلة العمرية يمكن إدخال وجبات أخرى كالخضار والفواكه وغيرها من الأطعمة.
فإذا كان الحليب المستعمل من النوع «كيكوز» الأرخص سعراً وفق التسعيرة الرسمية البالغة 10,500 ليرة سورية، وسعة العلبة 400 غ، وكل مكيال يعادل 4,3 غرام وفقاً للمعلومات المتوفرة على العلبة، وإرشادات عدد الوجبات لكل مرحلة عمرية.
يوضح الجدول (2) إجمالي التكاليف التي تفرض على ذوي الطفل خلال ستة أشهر من عمره فقط، مع ملاحظة إن عدد الرضعات اليومية خلال الأسبوع الأول والثاني تبلغ 6 رضعات، بينما تبقى خمسة رضعات لبقية الأسابيع حتى نهاية عمر الستة أشهر
طبعاً هنا بالحالة الطبيعة، أي بحال أن المادة متوفرة، ولا يوجد وضع احتكاري تسبب بفقدانها، والتي تصبح معها أسعار تأمينها أعلى بكثير، نتيجة لاضطرار الأهل الحصول عليها عبر قنوات التهريب، أو من الصيدليات المحتكرة للمادة.

10385

معلومات إضافية

العدد رقم:
1038
آخر تعديل على الإثنين, 04 تشرين1/أكتوير 2021 04:30