مشكلة المسكن.. كمالية أم ضرورة؟! (2 من 2)

■ إحصاءات المشكلة السكنية مضللة.. ولا تراعي الاختلاف الكبير في توزيع الدخل..
■ نسبة سكان المخالفات 36% من سكان دمشق و32% في حلب و40% في حمص..

■ حل ّ المشكلة يحتاج لمعالجات أهمها حلّ قضية توزيع الدخل الوطني، عبر رفع أجور العاملين..
■ يجب تخصيص علاوة سكن لأصحاب الدخل المحدود..
■ يجب أن تتوفر في السكن اللائق شروط الصحة والأمان، ولايكون معادياً للأطفال، مع مراعاة الجانب الجمالي..
تتابع «قاسيون» نشر الجزء الثاني والأخير من: «مشكلة السكن في سورية».. حيث جرى التطرق في العدد السابق إلى ضرورة تخديم مناطق أحزمة الفقر بما يتناسب مع شروط الحياة الانسانية.. والى واقع الاستملاك الجائر الذي غدا مشكلة بدلاً من أن يكون حلاً.. وازدياد عدد المساكن الخالية.. وتفاقم الصعوبات المعاشية التي تعاني منها الغالبية الساحقة من السكان...

المشكلة قائمة
يحاول الكثيرون إنكار وجود المشكلة السكنية في البلاد، وتساعدهم في ذلك - إلى حد ما- الإحصائيات المتوفرة في هذا الخصوص والتي تعتبر مضللة كما أنها لا تراعي الاختلاف الكبير في توزيع الدخل ومع كل ذلك فإن تلك الإحصائيات تعبر عن مشكلة حقيقية : فقد تزايد السكن العشوائي غير المنظم خلال السنوات الماضية وساهم خلال الفترة الممتدة من 1981- 1994في تأمين 65% من السكن في دمشق وفي تأمين 50% من السكن على مستوى البلاد. ووصلت نسبة سكان المخالفات إلى 36% من سكان دمشق و32% في حلب و40% في حمص.
بلغ عدد السكان في سورية ممن تجاوزوا العشرين عاماً 7.5 مليون نسمة عام 2000. ووصل عدد الوحدات السكنية (المشغولة والخالية) في تلك الفترة إلى3 ملايين وحدة فقط علماً أنه يقطن مع هؤلاء 9 ملايين شخص ممن لم يتجاوزوا الـ 20 سنة، وإذا حسبنا متوسط التزايد السنوي لشريحة السكان ممن تجاوز عمرهم 20 عاماً خلال عقد التسعينات لوجدنا أنه يقارب الـ 200 ألف نسمة. وهؤلاء يحتاجون إلى 65 ألف وحدة  سكنية جديدة. وبالعودة إلى وسطي الوحدات السكنية الجديدة (في القطاع الخاص والتعاوني) خلال التسعينات، نجد أنه يقارب 35 ألف وحدة أما وسطي الوحدات السكنية الجديدة في القطاع العام فلم تتجاوز  20 ألف وحدة؛ وذلك بفرض أن مساحة الشقة السكنية فيه حوالي 80 م2 أي أن هناك مشكلة في توازن العرض مع الطلب يضاف إليها ضعف الخدمات المقدمة سواء في الريف أو المدينة إذ تبين إحصائية عام 94 أن نسبة توفر الإنارة تقارب90% وسطياً في الريف و المدينة أما توفر مياه الشرب فيصل إلى 55%في الريف الذي يعاني أيضاً من عدم توفر  الصرف الصحي إذ تبلغ نسبة توفره ما يقارب  28%
وكل ذلك يدخل في نطاق حلقة مفرغة يدخل فيها إضافة لما سبق مشاكل من قبيل: الاعتداء على شبكات المياه والكهرباء، ووجود400 ألف شقة خالية في دمشق وارتفاع أسعار الأراضي، ووجود قانون للإيجار لا يقوم على احترام  إرادة الطرفين وغير ذلك الكثير...

أصل السبب
بدأت مشكلة السكن بالظهور منذ عقود وكرستها الخطط الخمسية المتتالية عوضاً عن معالجتها.
ولكن ذروة المشكلة تركزت في فترة التسعينات عندما بدأ نشاط المضاربين يظهر إلى العلن، فهؤلاء، وبجهود خاصة وعلاقات عامة ذات طابع معين، يستطيعون معرفة المخططات التنظيمية قبل غيرهم. وبناء على ذلك تم شراء المقاسم والمباني سلفاً وجنيت من ورائها أرباح مضاربة مجزية. وقد نجم عن ذلك تجميد حصة من الاستثمارات في قطاع السكن،وتكرست قدرة هؤلاء على تحديد أسعار الأبنية والشقق بسبب القانون الذي  منع التخمين من قبل الدولة،فارتفعت أسعار المساكن إلى مبالغ خيالية تقدر بملايين الليرات السورية، مما حقق لهؤلاء المضاربين أرباحاً عالية أمام عيون «الجميع» التي بقيت تتفرج، إلى أن انتهت العملية (الصفقة) وكان «يلّي ضرب ضرب ويلّي هرب هرب» وكل ذلك على حساب المواطن «المنتوف» الذي لم يعد يستطيع البيع أو الشراء لأن السوق «واقفة» بسبب التقييمات غير الحقيقية للأسعار.
ولم تساهم هذه الحركة في رفع معدلات التنمية، بل كانت على حسابها حيث انخفضت حصة القطاعات السلعية كالزراعة والصناعة لصالح قطاع البناء المضارب.
ومع أن شكل المشكلة يتخذ طابعاً سكنياً ولكنها في حقيقتها ذات طابع اقتصادي  عميق،إذ أن كل أسرة مؤلفة من 3 أشخاص وفيها شخص واحد عامل تحتاج إلى  4500 ل س  شهرباً لتأمين حاجاتها من الغذاء فقط، وذلك في الوقت الذي يبلغ فيه الحد الأدنى للأجور  3000 ل س، أي أن النسبة الأكبر من الموظفين لن تستطيع الانفاق على الغذاء فكيف لها إذاً أن تنفق على المسكن سواء فيما يتعلق بدفع الأجرة أو بالإمتلاك.

أما الجمعيات التعاونية، وإن كانت قد أشبعت جزءاً من حاجة المواطنين للمسكن (20% من الأبنية الجديدة)، فإن أكثر من نصفها يقع في دمشق وأسعارها باتت تقارب أسعار القطاع الخاص، ففقدت مصداقيتها في كثير من الأحوال على الرغم من التسهيلات الكثيرة المعلنة أنها تحصل عليها، والجميع يعرف مشاكلها والتلاعبات التي جرت فيها، يضاف إلى ذلك مشكلة القروض المعطاة للسكن حيث أنه من أجل قرض تبلغ قيمته 500 ألف لمدة 20 عاماً يسدد بأقساط ثابتة بفائدة 4% فقط يجب على المقترض أن يدفع 3000 ل س وهو قسط يتجاوز نصف الراتب الوسطي!
أما من يحاول أن يقوم ببناء سكن لنفسه فتوضع العراقيل الإدارية والاقتصادية في طريقه عبر آلية الحصول على رخصة بناء والزمن اللازم للانتظار واختيار الموقع وكذلك آلية الحصول على رخص لشراء مواد البناء من حديد واسمنت ذات الأسعار المرتفعة نتيجة الإتجار المضارب بمواد البناء كما كان يجري بالنسبة لتهريب الأسمنت إلى لبنان ثم إعادة شرائه بسعر يعادل 3 أضعاف سعره الأصلي
كما أن السياسة الاقتصادية الكلية مسؤولة عن هذا التزاحم على المدن الكبيرة، الذي يسبب السكن العشوائي لأنها ركزّت المشاريع التنموية في عدد قليل جداً من المدن، وحرمت باقي البلاد  منها الأمر الذي أجبر سكان الريف على الهجرة باتجاه هذه المراكز التنموية: دمشق ، حلب، حمص، حماه.. إلخ
إن تحديد العرض على أراضي البناء جعل أسعارها ترتفع بشكل كبير، رغم كل المحاولات المبذولة لتخفيضهاونجم عن ذلك ارتفاع كلفة المرافق العامة التي تحمل على الأرض أيضاً مما رفع كلفة البناء بشكل كبير أيضاً. كما أدى إلى تصغير الحدائق وتضييق الطرق.  > >

السكن الشعبي

استجابة لمطالب عدد كبير من الشباب كلفت المؤسسة العامة للإسكان ببناء عشرة آلاف وحدة سكنية صغيرة (80م2) لكن هل يكفي أن تدغدغ مشاعرنا كلمة «سكن شعبي» لكي تحل المشكلة ؟؟ ثم هل تكمن المشكلة في توفر البناء فحسب وإن كانت كذلك فما هو مدلول ارتفاع نسبة المساكن الخالية في الأعوام الأخيرة لتصل  إلى 16%؟؟؟
للإجابة على تلك الأسئلة وللإحاطة بالموضوع بشكل دقيق لا بد من تسليط الضوء على النقاط الأساسية التي يتألف منها هذا القرار الذي يطالب بـ:

■ إنشاء عشرة آلاف وحدة سكنية ذات مساحة لا تزيد عن 80م2
فإذا كنا نعلم أن عدد سكان  سورية ممن تجاوزوا العشرين عاماً يعادل 7.5 مليون نسمة عام 2000. والتزايد السنوي لهذه الشريحة يقارب 200 ألف نسمة. وإذا أسقطنا هذا الرقم على الأعوام المقبلة فسنجد أننا نحتاج في أكثر التقديرات تفاؤلاً إلى 65 ألف وحدة سكنية جديدة سنوياً، وحسب التقديرات فإنه ينتظر أن يصبح عدد سكان سورية  عام 2025 قرابة 35 مليون نسمة ويحتاج إلى بناء 5 ملايين وحدة سكنية لحل أزمة السكن الحالية وتأمين البديل للاستهلاك وحاجة السكان الجدد فأين ذلك من هذا القرار؟
وما دام هذا القرار قد جاء لحل مشكلة السكن بين الشباب (كما جاء في متنه) فإنه يمكن مواجهة هذا الطلب الكبير على السكن بين صفوف الشباب عبر اعتماد نظام الغرفة الواحدة ذات مساحة تقارب 30 م2 تحتوي على مساحات صغيرة مخصصة للمطبخ وأخرى للاستحمام وعبر تصغير المساحة هذا يتم تخفيض التكلفة بشكل كبير.
■ يحق لكل مواطن أتم الثامنة عشرة الاكتتاب على هذه الوحدات إذا كان من مواليد المحافظة التي يقع المسكن فيها أو مقيماً فيها وهذا يعني الضغط الكبير الذي ستواجهه المدن الرئيسية إذ سيكون نصيب كل منها أقل من 5000 وحدة سكنية وأكثر من 200.000 راغب بالاشتراك وسيزيد الرقم في دمشق فكيف سيتم التعامل مع الموضوع وما هي المعايير التي سيتم وفقها اختيار المتخصصين؟؟؟
علماً أنه سيتم توزيع 1000 وحدة على الجهات العامة.
■ يشترط للاكتتاب تسديد الدفعة النقدية الأولى (التي لم تحدد قيمتها بعد) ولاستمرار الاكتتاب تسديد اشتراك شهري إلى المصرف خلال النصف الأول من كل شهر، وتلتزم المؤسسة بتسليم المسكن إلى المشترك خلال فترة لا تزيد عن خمس سنوات (ووفقا ًلخبرة المواطنين في التعامل مع سرعة إنجاز الدولة لمشروعاتها يمكن القول أن فترة خمس سنوات ستكون الحد الأدنى للإنجاز)
فهل سيتمكن الشباب (الذين تزيد أعمارهم عن 18 سنة الموجودون حالياً وبعد  5 سنوات لاحقة مع الانتباه إلى نسبة الفتوة العالية في مجتمعاتنا ) أن تستفيد من هذا القرار الذي طنطنت به الصحف المحلية ،وهل سيستطيعون دفع تلك المستحقات في ظروف البطالة الكبيرة والرواتب المنخفضة أم سيجري اصطفاء طبيعي لمن يملك على حساب من لا يملك؟؟
كل تلك الملاحظات لا تنفي ضرورة تشجيع خطوات مدروسة في مجال السكن الشعبي تتبناها الدولة بحيث يستفاد من الوفورات التي يمكن أن تتحقق في حال إنشاء مدن سكنية كاملة بالاعتماد على موارد محلية  (مكاسر رمل، معامل إسمنت..) بحيث تباع هذه الوحدات بسعر التكلفة وبتسهيلات كبيرة بالدفع تراعي ضعف السيولة النقدية لدى المواطنين وخاصة من ذوي الدخل المحدود.

أعطني حلاً
من الواضح أن حلّ مشكلة السكن لا يتم بقرار واحد، فهي تحتاج إلى جملة معالجات أهمها حلّ قضية سوء توزيع الدخل الوطني، ورفع أجور العاملين، وتخصيص علاوة سكن للمواطنين حتى يستطيعوا الحصول على سكن لائق تتوفر فيه شروط الصحة والأمان، ولا يكون معادياً للأطفال، مع مراعاة الحالة الجمالية ، وفنون الاعمار الأمر الذي يتطلب بدوره وضوحاً في المخططات التنظيمية الموضوعة مسبقاً؟؟ !!
وقبل أن نبني أبنية جديدة قد تعاني من ذات المشاكل القائمة لا بد من تشجيع الإيجار العادل الذي يسمح بالاحتفاظ بالسيولة لدى من يملكها فيوجهها باتجاه مشاريع تنموية حقيقية،وبالطبع فإن ذلك يتطلب معالجة وضع الأبنية المتروكة «على العظم» أو الخالية، وذلك عن طريق تطبيق القانون الموجود أصلاً والذي يقضي بفرض رسم سنوي قدره (10%) من قيمة الأرض على الأراضي المعدة للبناء التي لم يستحصل مالكوها تراخيص البناء، كما يضمن حق الجهة الإدارية في تقرير بيع العرصات حكماً إذا انقضت خمس سنوات دون الحصول على الترخيص ببنائها أو دون إتمام البناء.
ولابد أيضاً من اعتماد سياسة ضريبية ومصرفية مشجعة إضافة إلى سياسة اقتصادية تقوم على توزيع الفعاليات الاقتصادية بشكل متناسب بين المناطق والمحافظات وعدم حصرها في مراكز محددة الأمر الذي يسبب اكتظاظاً سكانياً كبيراً، فمن المفروض أن تتوزع المباني الجديدة التي يفترض إنشاؤها على 100 مدينة جديدة ويمكن أن تكون نواة هذه المدينة الجديدة بلدة أو مساحة فارغة من السكان بمعدل وسطي 50 ألف وحدة سكنية، تباع بالتقسيط المريح على ألا يزيد القسط الشهري على 25% من الأجر وتكون فترة السماح لمدة 5 سنوات مثلاً ومدة القرض بين 30 ـ 40 عاماً وهنا لا بد من الإشارة إلى أن البادية السورية تستطيع أن تستوعب 5 ملايين وحدة سكنية جديدة.
وبالإجمال فإن معالجة المشكلة تتطلب الابتعاد عن روح السمسرة التي أصبحت متفشية نتيجة الوضع الاقتصادي السيئ.

جهينة

معلومات إضافية

العدد رقم:
175