د. م. عفيف رحمة د. م. عفيف رحمة

التعليم والتنمية الشاملة 1/3 البحث العلمي حقائق ومؤشرات

يعتقد الباحث في قضايا التعليم العالي أنه أوفر حظاً من غيره في توفر ما يحتاجه من المعلومات والبيانات التي تسمح له بإجراء تحليل علمي وموضوعي لواقع هذا القطاع ودوره الحيوي في التنمية الشاملة، غير أن الواقع يفيد بأن عالم التعليم العالي عالم غارق بالغموض وافتقار المعلومة. قد يفسر البعض هذا الغموض من منطلق أمن المعلومات وحمايتها، لكن الموضوع يعود برمته إلى افتقار المعلومة لا لسريتها، وهذا يفتح باباً آخر للبحث عن أسباب عدم إدراك المعنيين، من سلطة سياسية وإدارة علمية، أهمية توفير قاعدة بيانات علمية وشفافية تؤسس لأية مراجعة أو دراسة تخدم مشروع النهضة الوطنية.

 

إن أهم جانب يدفعنا لاعتماد الشفافية في مراجعتنا وتقييمنا لواقعنا العلمي ما تواجهه سورية من تحديات حضارية وعسكرية من الغرب الرأسمالي ومن دولة الكيان الإسرائيلي، وهذا بدوره يفرض علينا أن نقيس موقعنا نسبة لهذا الكيان الذي يحتل المرتبة الأولى في علوم الكومبيوتر، والمرتبة الثالثة في الكيمياء، والمركز الثالث في العالم في صناعة التكنولوجيا المتقدمة، والمركز الخامس عشر بين الدول الأولى في العالم المنتجة للأبحاث والاختراعات.

ماذا نقرأ من مؤشرات جامعة دمشق؟

يظهر التقرير السنوي لمديرية البحث العلمي لعام 2009 أن عدد أعضاء الهيئة التدريسية (من حملة الدكتوراه) القائمين على رأس عملهم بلغ 1995 عضواً، منضوين في 189 وحدة بحث علمي (80% علمي و 20% أدبي وإنساني) و 16 مركزاً بحثياً (7 للعلوم الأدبية والإنسانية و 9 للعلوم الطبية والهندسية)، ينفذ 368 منهم مشاريع للبحث العلمي في إطار مهامهم الجامعية، منها 206 مشروعات بحث علمي (ممول ذاتياً)!! لفترة إنجاز تراوحت بين شهر وأربعة أشهر!! و162 مشروعاً بحثياً ممولاً لفترة لا تتجاوز السنتين، كما ويشارك عدد منهم تدريسياً في 213 برنامجاً للدراسات العليا.

محصلة النشر العلمي وصل إلى 141 ورقة علمية منشورة داخل سورية و 113 خارج سورية (دون تحديد مكان هذه المجلات وجديتها ومكانتها العالمية وتوافق شروط النشر فيها مع السويات العلمية العالمية...!)، أما خلاصة مشاريع الدراسات العليا فقد أنجز منها 475 رسالة ماجستير و 139 رسالة دكتوراة داخلية.

أما المبالغ التي أنفقت تحت بند البحث العلمي فلم تتجاوز 30 مليون ليرة سورية و 78 مليون ليرة للبنية التحتية، فإذا ما عوملت باقي الجامعات الحكومية بالنسبة ذاتها يكون مجموعه ما أنفقته سورية على البحث العلمي بنحو 8 ملايين دولار أميركي فقط (قارن فيما بعد مع ما أنفقته «إسرائيل» على البحث العلمي).

هذا التقرير (وتقرير عام 2010 الذي لا بد من شكر من أخرجهما إلى الضوء لأنهما الوثيقة الوحيدة المتوفرة لتقييم واقع التعليم العالي في جامعة دمشق)، يشير عبر الأرقام والمعدلات إلى ما يلي:

ما نشر عام 2009 لا يتجاوز ورقة علمية واحدة داخل سورية لكل 14 عضو هيئة تدريسية، علماً بأن التقرير لم يقدم تفاصيل حول مكان إقامة الباحث وهل أجرى البحث في مخابر الجامعة أم في المنزل، وهل له أكثر من ورقة علمية واحدة وهل كان منفرداً أو ضمن فريق عمل خارج سورية وهل هو من الموفدين خارج القطر أم لا؟! ومكان النشر الخارجي الذي غالباً ما يكون في دول عربية لم تتجاوز مرحلة اليفاعة العلمية بعد.

في عام 2009 كان نسبة 11/1 من أعضاء الهيئة التدريسية فقط ممن أنجزوا جهداً علمياً ولو كان بسيطاً (بحث لمدة شهر؟!).

عدد الأوراق العلمية المنشورة من طلبة الماجستير والدكتوراه تكاد تكون شبه معدومة.

ومن هذا التقرير يمكننا أن نقرأ أيضاً:

إن ما أنفقته سورية على البحث العلمي لعام 2009 بكامل مكوناته (8 ملايين دولار إنفاق وبنى تحتية) لا يتجاوز 1000/1 مما أنفقته «إسرائيل» للعام ذاته (8.3 مليار دولار) وإذا ما قيس نسبة لعدد السكان فإن الهوة تصل لمعدل 3000/1

أما ما أنفقته الجامعة عام 2010 فلم يتجاوز 46% من حصة البحث العلمي من الموازنة الاستثمارية المتناقصة والبالغة 25 مليون ليرة سورية (بدل 30 مليون لعام 2009)، وهذا مؤشر عن التراجع بمعدل الأعمال العلمية المنجزة، وعجز المؤسسة التعليمية عن دفع الحركة العلمية نحو الأمام، ورغم محاولة تقرير عام 2010 الإيحاء بزيادة نسبة الإنفاق على البحث العلمي (من حصة الموارد الذاتية) فإن مجمل المبالغ المشار إليها تبقى بعيدة جداً عن ضرورات المجابهة والمقاومة.

إن ما نشر من أوراق علمية (بمجملها) لا يأتي إلا في إطار مستلزمات الترفيع الأكاديمي، وما يعزز هذه النتيجة أن 56% من الأبحاث المنفذة خلال فترة تتراوح بين شهر وأربعة أشهر والممولة ذاتياً (؟)، و22% من هذه الأوراق نشر قصراً لاستيفاء تتمة منحة الإيفاد لمهمات البحث العلمي والمهمات الاطلاعية والتدريبية. لكن يبقى السؤال الأهم حول فحوى البحث العلمي الممول ذاتياً، ما هي مدلولاته، جديته، مصداقيته، أصالته، قيمته العلمية، علماً بأن هذا الشكل من البحث فريد من نوعه في العالم ويعيدنا إلى السؤال الأهم المتعلق بمدى إدراك السلطات السياسية والإدارات العلمية لأهمية البحث العلمي وماذا تفهم منه.

ما يعزز هذا الرأي أن نحو 1995 عضو هيئة تدريسية في 182 وحدة بحث علمي و 16 مركزاً بحثياً لم ينتجوا عام 2009 سوى 254 ورقة علمية (داخل وخارج سورية).

قدم نحو 80% من أعضاء الهيئة التدريسية جهداً علمياً (ولو كان بحثاً صغيراً أو ورقة علمية واحدة) في حين جاء الإنتاج العلمي في المجالات الأدبية بمعدل 130% من إنتاج العلوم الأساسية والهندسات والعلوم الطبية.

إن نسبة رسائل الماجستير والدكتوراه في مجال العلوم الطبية والهندسات لا تتجاوز بالترتيب 55% و 31% من إجمالي الأعمال العلمية، مقابل 44% و 69% من رسالة الماجستير والدكتوراه في مجال العلوم الإنسانية والآداب والعلوم الدينية، وهذا ضئيل جداً مقارنة مع معايير الإنتاج العلمي حيث تغلبت الدراسات الأدبية والدينية على الدراسات العلمية التقنية والطبية.

هذا الإنتاج العلمي لا يتناسب مع عدد الطلاب الجامعيين في كلا المجالين، كما أن إجمالي الإنتاج العلمي في مجال التكنولوجيا والعلوم الطبية لا يتناسب مع حجم الكادر التدريسي والدور المطلوب للتنمية والنهضة الوطنية وهو بعيد كل البعد عن المعايير والمقاييس الدولية للإنتاج العلمي. من مراجعة أسماء وحدات البحث العلمي وعناوين الأعمال والأبحاث والأوراق العلمية وإجراء مقارنة مع ما أنجز عام 2010، يظهر لنا جلياً العشوائية في التوجهات والفردية في اختيار الموضوعات وعدم ارتباط هذه الأعمال والأنشطة العلمية باستراتيجية علمية متكاملة في إطار مشروع شامل للتنمية الوطنية، مما يفقد هذه الأعمال أهميتها وقيمتها العلمية إن وجدت. إن المدقق عن قرب في برامج الدراسات العليا قادر على تبيان بعض جوانب ضعف عدد من هذه البرامج وجدواها كنتيجة لمجمل القضايا التي تمس الدراسات العليا ولعل أهمها الفردية والذاتية التي تقتضي وضع المصداقية والكفاءة والجدية على بساط البحث والتدقيق.

 

آخر تعديل على الأربعاء, 18 أيار 2016 23:26