تجارة الرقيق والثورة الصناعية: نظرة على الأرقام
توماس إي لامبرت توماس إي لامبرت

تجارة الرقيق والثورة الصناعية: نظرة على الأرقام

توماس إي لامبرت أستاذ مشارك في كلية إدارة الأعمال بجامعة لويسفيل في لويسفيل، كنتاكي.

في قلب الجدل الأكاديمي الذي امتد لعقود، يطفو سؤال محوري حول أحد أهم التحولات في التاريخ الاقتصادي العالمي: ما دور تجارة الرقيق عبر المحيط الأطلسي في إطلاق شرارة الثورة الصناعية في بريطانيا؟ لطالما كانت أطروحة إريك ويليامز في كتابه المؤثر «الرأسمالية والعبودية»، الذي صدر عام 1944، نقطة ارتكاز لهذا النقاش. اعتمد ويليامز على فكرة لكارل ماركس، مفادها أن الثروة الهائلة المستمدة من استعباد الأفارقة ونقلهم عبر المحيط كانت بمثابة الوقود الذي أشعل محركات التصنيع البريطانية. وعلى الرغم من أن كتابه قوبل في البداية بفتور من قبل العديد من المؤرخين والاقتصاديين السائدين، إلا أن الأدلة التي تراكمت خلال العقود القليلة الماضية بدأت تميل كفة الميزان لصالح فكرته الأساسية. ومع ذلك، لا يزال هناك تيار رافض، أو متشكك، مستنداً في جزء كبير منه إلى التراث الفكري لآدم سميث، الذي نظر إلى العبودية والإمبراطورية على أنهما مشروعان غير اقتصاديين في المدى الطويل.

في هذا السياق، تبرز أهمية النظر بعمق إلى الأرقام والبيانات التاريخية التي باتت متاحة اليوم. لقد أتاح تطور قواعد البيانات التاريخية الشاملة، مثل: قاعدة بيانات تجارة الرقيق عبر المحيط الأطلسي، فرصة فريدة لتتبع المسار الدقيق لتدفقات التجارة والربح وربطها بمؤشرات النمو الصناعي داخل بريطانيا نفسها. عندما ننظر إلى هذه الأرقام، لا نبحث عن مجرد صدفة إحصائية، بل عن نمط مترابط يروي قصة كيف تحول الاقتصاد البريطاني من اقتصاد زراعي إلى عملاق صناعي.

يكمن جوهر الحجة المؤيدة لدور تجارة الرقيق في سلسلة من الروابط السببية المتتالية. فقد بدأ الأمر بإنشاء نظام اقتصادي ثلاثي الأطراف: كانت البضائع المصنعة في بريطانيا تُنقل إلى أفريقيا لشراء العبيد، الذين يُنقلون بدورهم إلى الأمريكيتين للعمل في مزارع السكر والقطن والبن والتبغ. كانت المنتجات الخام من هذه المزارع تُشحن مرة أخرى إلى بريطانيا لتصنيعها وبيعها محلياً أو تصديرها. هذا النظام لم يثرِ فقط تجار السفن وأصحاب المزارع، بل غذى صناعات بريطانية بأكملها. فصناعة النسيج، على سبيل المثال، ازدهرت لتلبية الطلب على الملابس الرخيصة للعبيد، ولاحقاً لمعالجة القطن الخام القادم من الأمريكيتين. كما أن الطفرة في استهلاك السكر والبن والتبغ في بريطانيا خلقت حاجة إلى مصانع للتكرير والمعالجة، وإلى أدوات منزلية من المعادن، وإلى سفن أكثر وأكبر للنقل.

 

طفرة الصناعات الداعمة

هذا النمو المتسارع في الطلب على السلع والخدمات تطلب بدوره طفرة في الصناعات الداعمة. ارتفع استخراج الفحم من المناجم لتشغيل المصانع والآلات البخارية. وتوسعت صناعات الحديد والقصدير لتلبية الحاجة إلى الآلات والأدوات ومواد البناء. كما أن حركة البضائع الهائلة هذه، من الموانئ إلى المصانع ثم إلى الأسواق الداخلية، استلزمت استثمارات ضخمة في البنية التحتية؛ فتم شق قنوات مائية جديدة وتحسين شبكات الطرق وبناء الجسور، مما سهل حركة الموارد وسرع وتيرة النشاط الاقتصادي ككل.

لم يكن هذا التحول مادياً فحسب، بل كان ديموغرافياً واجتماعياً أيضاً. ففرص العمل الجديدة التي خلقتها المصانع والمشاريع الإنشائية جذبت أعداداً هائلة من العمالة من الريف، حيث كانت حركات «التسييج» تسلب صغار المزارعين أراضيهم. هؤلاء الناس، الذين تحولوا إلى قوى عاملة بأجر في المدن، شكلوا العمود الفقري للطبقة العاملة الصناعية الناشئة. وبذلك، لم تكن تجارة الرقيق مجرد تجارة خارجية بعيدة، بل كانت محركاً رئيسياً لإعادة تشكيل المجتمع البريطاني نفسه وتحويله إلى مجتمع حضري وصناعي.

تظهر الأرقام هذا الارتباط بوضوح لافت. عند رسم منحنى أعداد الأفارقة المستعبدين الذين نقلتهم السفن البريطانية عبر المحيط، ومقارنته بمنحنيات مؤشرات الإنتاج الصناعي المختلفة، نجد تقارباً شديداً في مساراتها، خاصة خلال القرن الثامن عشر، الذي شهد ذروة تجارة الرقيق، وبدايات الانطلاق الصناعي. فالارتباط الإحصائي بين أرقام الرقيق ومؤشرات، مثل: إنتاج المنسوجات القطنية، وقيم واردات السكر، وحتى مؤشرات التجارة والنقل الداخلية، يظهر قوياً ومتسقاً عبر الزمن. وهذا يعني أن التغير في أحد المنحيين يصاحبه تغير متوقع في الآخر، مما يشير إلى علاقة وثيقة تتجاوز المصادفة.

 

الفائض الاقتصادي

لعل الدليل الأكثر إقناعاً يأتي من تحليل ما يعرف بـ «الفائض الاقتصادي» ومعدلات الاستثمار. ففي الاقتصاد، يحتاج النمو السريع إلى استثمارات ضخمة تتجاوز في كثير من الأحيان المدخرات المحلية العادية. عندما نفحص البيانات الاقتصادية البريطانية للقرن الثامن عشر، نكتشف مفاجأة: في فترات معينة، خاصة أثناء ذروة النشاط الصناعي، كان إجمالي الاستثمار في بريطانيا يساوي أو يتجاوز «كل» الفائض الاقتصادي الذي يمكن توليده داخل البلاد. بمعنى آخر، كان البريطانيون يستثمرون أكثر مما يدخرون، أو أكثر مما يربحون من نشاطهم الاقتصادي المحلي وحده.

هذا الوضع الاستثنائي يطرح سؤالاً حتمياً: من أين جاءت الأموال الإضافية لتمويل هذه الاستثمارات الطموحة؟ الإجابة التي تشير إليها الأدلة التاريخية ترشدنا مباشرة إلى الخارج، وإلى نظام التجارة الاستعماري. تشير تحليلات بنية الصادرات البريطانية في تلك الحقبة إلى أن السلع المرتبطة مباشرة بالاقتصاد القائم على العبودية، مثل: السكر والقطن والتبغ، كانت تشكل حصة كبيرة وذات قيمة مضافة عالية. كانت الأرباح الطائلة التي جنيناها من هذا النظام هي التي تتدفق عائدة إلى بريطانيا، لتدفع تكاليف بناء المصانع، وتمويل القنوات، وشراء الآلات الجديدة. بكلمات أبسط، لولا هذه الأموال الخارجية القادمة من «العالم الجديد»، لما كان بمقدور بريطانيا أن تستثمر بهذه الوتيرة المتسارعة التي قادت إلى الثورة الصناعية.

 

الاستثناء الأخلاقي لأوروبا

رغم قوة هذه الأدلة، يستمر الجدل. ويعود جزء من هذا الجدل إلى أسباب تتجاوز المنهجية البحثية. فقد رسخ آدم سميث، الأب المؤسس للاقتصاد الكلاسيكي، فكرة أن العمل المأجور الحر أكثر كفاءة وإنتاجية من العمل بالسخرة. وقد شكل هذا الاعتقاد النظري عدسة يرى من خلالها العديد من الاقتصاديين التاريخ، مما يجعلهم يشككون تلقائياً في أي ادعاء بأن العبودية، التي يرونها غير فعالة، يمكن أن تكون محركاً للتقدم. بالإضافة إلى ذلك، هناك بعد أخلاقي وسياسي. فالسردية التاريخية التي تشرح صعود الغرب من خلال عبقرية المخترعين، وروح المبادرة لدى رواد الأعمال، وحكمة المؤسسات تبدو سردية مشرقة ومقبولة. أما السردية التي تضع العبودية الجماعية والعنف والاستغلال في مركز هذه القصة، فهي سردية مزعجة، تذكرنا بثمن التقدم البشري الباهظ، وتتحدى فكرة الاستثناء الأخلاقي لأوروبا.

إن إنكار أو تقليل شأن الدور المركزي لتجارة الرقيق في الثورة الصناعية ليس مجرد خلاف أكاديمي، بل هو استمرار لتراث طويل من فصل التاريخ الاقتصادي عن تاريخ العنف الاستعماري. وهو يشبه، في جوهره، محاولات تبرير حرب الانفصال الأمريكية في الجنون بذريعة «حقوق الولايات» بينما كانت قضية العبودية هي الجوهر. إنه إنكار للصلة الوثيقة بين ثروة الشمال العالمي، وتخلف الجنوب العالمي، وبين الازدهار الصناعي والمعاناة الإنسانية.

الخلاصة التي تفرضها البيانات، هي أن الثورة الصناعية البريطانية لم تكن ظاهرة محلية خالصة، نتجت فقط عن اختراع الآلة البخارية وبراعة البريطانيين. لقد كانت حدثاً عالمياً، مولده نظام اقتصادي ممتد عبر القارات، استند إلى استخراج الثروة من خلال أكثر أشكال العمل قسوة وإهانة. إن فهم هذه الحقيقة ليس هدفه إلقاء اللوم على الماضي بعيون الحاضر، بل هو إدراك للتعقيد المظلم للتاريخ. فهو يذكرنا بأن الأسس التي بني عليها عالمنا الحديث ليست كلها نظيفة أو مجيدة، وأن التقدم المادي غالباً ما كان له وجه بشع. وهذا الفهم ضروري ليس فقط من أجل سجل تاريخي أدق، ولكن أيضاً لفهم جذور التفاوت العالمي الذي لا يزال قائماً حتى اليوم، ولتذكر أن الاقتصاد، في نهاية المطاف، ليس علماً مجرداً يدور حول الأرقام فحسب، بل هو أيضاً سجل للعلاقات الإنسانية والقوى الاجتماعية في أقصى حالاتها.