ماذا وراء اغتيال سيف الإسلام القذافي في ليبيا؟
شكّلت حادثة اغتيال سيف الإسلام القذافي – نجل الرئيس الليبي السابق معمر القذافي – صدمة جديدة لـليبيا، وسط تخوفات وشكوك من تأثيرات هذا الحدث على التطور السياسي للبلاد المنقسمة أساساً بين عدة أطراف متحاربة، وتدخلات إقليمية ودولية تتصارع على نفوذها ومصالحها.
عملية الاغتيال
اغتيل سيف الإسلام يوم الثلاثاء 3 شباط 2026 في منزله بمنطقة حمادة في الزنتان غربي البلاد، ووفقاً للتحقيقات الجنائية وبيان وتصريحات الفريق السياسي لسيف الإسلام، ومحاميه، نفّذ عملية الاغتيال 4 أشخاص محترفون، قاموا بتعطيل وتخريب كاميرات المراقبة ثم تنفيذ الاغتيال بالرصاص الحيّ مباشرة قبل انسحابهم بشكل سريع... ولم تتبنّى أية جهة عملية الاغتيال هذه حتى لحظة كتابة هذا المقال.
دون الغوص بتفاصيل التحقيقات الجنائية، ما يهمّ هو معطيان اثنان: الأول هو تساؤل عام يطرحه الليبيون حول غياب قوات الحماية والحرّاس لسيف الإسلام ومعرفة المنفذين لأماكن الكاميرات بدقة، والثاني والأهم، هو طبيعة عملية الاغتيال عموماً التي جرت بشكل احترافي غير معتاد أو مسبوق بالنسبة للقوى والفصائل الليبية المتصارعة، مما يشير إلى وجود دور لاستخبارات أجنبية بهذه العملية، بما يعنيه ذلك من دوافع سياسية واستراتيجية، عوضاً عن الدوافع الانتقامية والثأرية أو مجرد المنافسة بين الفصائل.
كما أن توقيت هذه العملية، بعد أسبوع واحد من لقاء إبراهيم الدبيبة المستشار السياسي لرئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة «حكومة الغرب – طرابلس»، مع صدام حفتر نائب القائد العام للقوات المسلحة في الجيش الوطني الليبي ونجل المشير خليفة حفتر «حكومة الشرق – بنغازي»، في باريس، بترتيب من مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والإفريقية سعد بولس، أثار مزيداً من الشكوك… فمن له مصلحة بتغييب سيف الإسلام، وما التهديد الذي كان يشكله، وما تأثير الاغتيال على المستقبل الليبي الآن؟
موقف طرفي الصراع الأبرز من سيف الإسلام
منذ عودته إلى النشاط السياسي في عام 2021، وإعلانه عن نيته الترشح للانتخابات الرئاسية من مدينة سبها جنوب غربي ليبيا، لاقى سيف الإسلام قبولاً واسعاً في ليبيا، من جهة لما يحمله من رمزية في الوعي الاجتماعي تعود لظروف ما قبل 2011 فيما يتعلق بوحدة البلاد واستقرارها بالمقارنة مع ما بعد سقوط نظام القذافي ودخول البلاد لدوامة الحرب والانقسام، ومن جهة أخرى باعتباره بديلاً ثالثاً لطرفي الصراع الأبرز في شرقي وغربي البلاد بعد أكثر من عشرة أعوام من تجربة الليبيين معهم، فضلاً عن علاقاته الواسعة سواء داخل ليبيا مع شخصيات ومجموعات عسكرية كانت أساساً ضمن صفوف النظام السابق ومعظمها متواجدة في الشرق بإدارة المشير خليفة حفتر، واصطفاف بعض القبائل الليبية المنتشرة شرقي وغربي البلاد معه، أو خارج ليبيا مع مصر والجزائر وروسيا ودول أخرى.
وعليه، أثارت عودته للنشاط السياسي مخاوف وتحفظات كلٍّ من حكومتي الشرق والغرب على حدّ سواء، بالإضافة لتخوفات الفصائل المختلفة المنتشرة شرقي ليبيا، فاحتمالية صعود شخصية سياسية بإمكانها تأمين الحد الاجتماعي الضروري والكافي لإعادة توحيد البلاد، تعني تضرر مصالح كل هؤلاء الأطراف سواء سياسياً أو اقتصادياً/مالياً وخاصة فيما يتعلق بالسيطرة على حقول النفط ومواردها، وعليه كان لدى مختلف الأطراف مصلحة بإعاقة تقدم سيف الإسلام وتقويضه، وضمان عدم تلقيه الدعم المادي والعسكري الكافي، إلا أنه كان على الدوام نقطة محورية يحاول كلا الطرفين استمالتها لصالحه، وبالتحديد ما يعنيه من استمالة وزن قبلي هام لا يمكن تجاهله في ليبيا، إلا أنه وفريقه السياسي أصرّا على المضي بخطّ ثالث مناهض لكلٍّ من حكومتي الشرق والغرب... ربما، بانتظار لحظة مناسبة ما.
إقليمياً ودولياً
تختلف سردية الأحداث في ليبيا وفقاً لموقف القارئ السياسي، إلا أن ما يجمع عليه معظم المتابعون للشأن الليبي، وما هو أكيد، أن الولايات المتحدة والدول الأوروبية منذ عمليتهما العسكرية في 2011، كان لها مصلحة رئيسية متمثلة بتدمير وإضعاف الدولة الليبية وإدامة الاشتباك بها حتى إشعار آخر – وذلك لا يتعلق بإرادة الشعب الليبي وما طمح أو يطمح إليه في بلاده، بل يختلف عنه - وهو ما نجحت به الولايات المتحدة وحلفاؤها بالفعل وصولاً إلى النتائج على الأرض بتفكيك الدولة الليبية عسكرياً واقتصادياً، ونشوء حكومتين وبرلمانين مختلفين، وفصائل منفلتة، وقبائل متحاربة وإلخ.
ومنذ تشكيل الانقسام بين شرق وغرب بخطوط من دم، تم الحفاظ على كلا الطرفين ضمن حدود قوة متساوية تقريباً، لا يمكن لأي منهما القضاء على الآخر وإن أراد، وفي الوقت نفسه تجري الاستفادة من كلا الطرفين اقتصادياً عبر نهب الموارد الليبية، والإبقاء على ليبيا نقطة توتر ضاغطة ومهددة لكل من مصر والجزائر وتونس بالدرجة الأولى... يتبع ذلك دور القوى الإقليمية، والأبرز فيها: مصر وتركيا وقطر والإمارات والجزائر و«إسرائيل»، كلّ واحدة منها تدفع باتجاه مصلحة مختلفة عن الأخرى… وفي خلفية المشهد دور روسي هام يتركز في شرق البلاد، بالإضافة لعلاقات مع حكومة الغرب، وفي هذا السياق حاولت روسيا تقريب وجهات النظر وتأمين اجتماعات بين ممثلين عن حكومتي الشرق والغرب الليبيين، أما الصين فحاولت على الدوام إبقاء باب العلاقات الاقتصادية مفتوحة مع كلا الطرفين.
خلال العامين الماضيين جرى العديد من التطورات الدولية، ليس أهمها التقارب التركي المصري، والقطري المصري، فضلاً عن تعزيز العلاقات الروسية التركية بشكل أكبر، وبالمقابل تصاعد الخلافات الأوروبية الأمريكية، والأمريكية «الإسرائيلية» وغيرها، وذلك بمجموعه بات يلقي بظلاله على الملف الليبي مثلما جرى في ملفات مختلفة في الشرق الأوسط.
فعلى الأقل، بتحسن العلاقات المصرية التركية، وجاهزية الجزائر، انطلاقاً من مصلحة مشتركة لمواجهة التهديدات والضغوط «الإسرائيلية» والأمريكية والأوروبية، وبدعم روسي وصيني، بإمكان هذا الأمر فرض تحولات جوهرية في ليبيا بعد الاتفاق على الخطوط العريضة، وهنا، كان من المرجح أن يكون لسيف الإسلام القذافي دورٌ هام يقوّض من طرفي الشرق والغرب الليبيين، وبالضد من المصلحة الأمريكية والأوروبية، أو على الأقل دون ضمانات لها.
اجتماع باريس
أمام هذه التطورات والضغوط الإقليمية، والتهديدات الاستراتيجية لواشنطن وبروكسل، لم يعد مشروع إدامة الانقسام والفوضى يحمل إمكانية لاستمراره، وباتت مسألة توحيد البلاد واستقرارها بالحد الأدنى أمراً لا بد من حدوثه على المدى القريب، لكن بأي شكل ولمصلحة من؟ هنا، جاء اجتماع باريس بترتيب من المبعوث الأمريكي للشؤون العربية والإفريقية، ليجمع طرفي الصراع الرئيسيين لحثهم وضغطهم للاتفاق على الخطوط العريضة اقتصادياً وعسكرياً، وبضمانات متبادلة محددة، على رأسها تقويض الدور الروسي والتوسع الصيني اقتصادياً، أي بالضد من مبادرة الحزام والطريق بالمعنى الأوسع والأكثر استراتيجية.
وضمن هذا المسار، كان سيف الإسلام بالمعنى السياسي، عاملاً مقلقاً وتهديداً مستمراً لكل الأطراف، ومن غير المستبعد أن يكون توقيت اغتياله ذا صلة مباشرة بهذا الأمر.
ما تأثيرات الاغتيال والمستقبل الليبي الآن؟
يجمع معظم المحللون الليبيون أنه لن يكون هناك أثرٌ كبيرٌ ومباشرٌ لاغتيال سيف الإسلام على تطور الملف الليبي، إلا أن الحدث أزال تهديداً لحكومتي الشرق والغرب وللولايات المتحدة والأوروبيين، وباتت الأنظار الآن تتجه نحو داعمي فريق سيف الإسلام وخاصة منهم بعض القبائل الليبية صاحبة الوزن الهام وليس أقلها قبيلة القذاذفة، فهل ستحافظ هذه القبائل على تحالفها وتنتج شخصية سياسية جديدة لها، أم أنها ستتفرق وتبدأ بالاندماج بين حكومتي الشرق والغرب تمهيداً لعملية سياسية يجري التحضير لها؟
بكل الأحوال، فإن توحيد ليبيا واستقرارها بأي شكل كان، هو من مصلحة الليبيين أولاً، ومصلحة مصر وتركيا والجزائر بالمعنى الإقليمي ثانياً، أما البعد الدولي للمسألة فهذا وبكل تأكيد ليس من مصلحة القوى الغربية، بل سيكون نتيجة لهزيمتها وفشل مشروعها بتقسيم ليبيا وتفجير محيطها الذي استثمروا طويلاً به، تحت الضغط المحلي والإقليمي... أما استراتيجياً، بين استمرارية التحكّم والنهب الغربي للبلاد بمقابل توسيع التعاون مع الصين وروسيا، فلا يزال من المبكر الجزم أو الحديث بهذا الأمر.