من زنزانة مانهاتن إلى كشف الستار... مسار قضية تفضح هشاشة «العدالة» الغربية.

لم تكن وفاة جيفري إبستين في العاشر من آب 2019 مجرد انتحارٍ داخل زنزانة سجن مانهاتن المركزي، بل شرارةً أشعلت موجة عالمية من التساؤلات حول منظومة الحصانة التي تحيط بالنخبة السياسية والمالية في الغرب. فكيف لرجل يواجه تهماً جنائية خطيرة بالاتجار بالبشر واستغلال قاصرات أن يُعثر عليه ميتاً في ظروفٍ غامضة، بعد أيامٍ من إلغاء مراقبته الليلية وتعطّل كاميرات المراقبة في الممر المؤدي إلى زنزانته؟ هذا الغموض حوّل قضيته من ملف جنائي روتيني إلى مرآةٍ تعكس تناقضات النظام الليبرالي الذي يتشدّق بالشفافية، بينما يحمي مرتكبي الجرائم عندما ينتمون إلى دوائر النفوذ.

بدأ المشهد العلني باعتقال إبستين في السادس من تموز 2019 لدى وصوله إلى مطار تيترورو الدولي في نيوجيرسي، استناداً إلى شكاوى مُجمّعة من ضحايا وقعن في شباك شبكة استغلال منظّمة مارسها الملياردير عبر جزيرته الخاصة في جزر العذراء الأمريكية وعقاراته الفاخرة في نيويورك وفلوريدا. لم تكن التهم جديدةً كلياً؛ فقبل أكثر من عقد، في عام 2008، أبرم اتفاقاً مع النيابة اتُّهم لاحقاً بأنه «صفقة إفلات من العدالة»، سمح له بالاعتراف بجريمة ولاية واحدة والبقاء قيد الإقامة الجبرية الجزئية، بينما أُغلقت القضية الفيدرالية. لكن الاعتقال الثاني جاء مختلفاً؛ فتحقيقات مباحث نيويورك ونيوجيرسي، وشهادات الضحايا التي جمعتها محاميات مثل جينا رودريغيز وفرجينيا جيفرسون، حوّلت الملف إلى قضية رأي عام عالمي كشفت عن شبكة علاقات متشعبة تربط إبستين بسياسيين كبار وأمراء ورجال أعمال وشخصيات مؤثرة في الإعلام والأوساط الأكاديمية.

وفاته المفاجئة، قبل أشهر من محاكمته المتوقعة، فتحت باباً واسعاً للشكوك. كيف لرجلٍ تحت المراقبة الأمنية المشددة أن ينتحر بسهولة؟ ولماذا أُلغيت جولتا تفتيش روتينيتان في تلك الليلة؟ ولماذا بقيت كاميرات المراقبة معطّلة في الممر الحاسم؟ هذه الثغرات، إلى جانب سجله المالي الغامض وعلاقاته بدوائر النخبة في واشنطن ولندن، رسّخت لدى الرأي العام العالمي قناعةً بأن إبستين لم يمت انتحاراً، بل جرى التخلص منه لحماية شخصيات نافذة كانت على صلة بأنشطته. وهكذا تحولت قضيته من محاكمة مجرم إلى لغز سياسي يمس جوهر النظام القضائي الغربي.

بعد وفاته، انتقل الصراع من قاعة المحكمة إلى أروقة المؤسسات والسلطة، ليتحوّل الملف إلى ساحة لتصفية حسابات داخل النخبة الرأسمالية الأمريكية نفسها. دفعت ضغوط شعبية وإعلامية غير مسبوقة القضاء الأمريكي إلى مواصلة التحقيق، ليس فقط مع المتواطئين المباشرين، بل في بنية النظام الذي سمح بإخفاء الجريمة سنوات طويلة. برزت إلى السطح شهادات مروعة لضحايا قاصرات وُصفت فيها شبكات التجنيد والترهيب التي مارسها إبستين، بينما كشفت التحقيقات عن ارتباطات وثيقة بينه وبين شخصيات نافذة في عالم السياسة والأعمال والإعلام، ما جعل الملف يتجاوز حدود قضية جنائية ليصبح اختباراً لقدرة النظام القضائي الغربي على مساءلة النخبة.

في كانون الثاني 2024، بدأت المحكمة الفيدرالية في مانهاتن رفع السرية تدريجياً عن مئات الصفحات من الوثائق المرتبطة بالقضية، في خطوة ألزمت بها وزارة العدل الأمريكية «قانون الشفافية في قضية إبستين». ومع ذلك، ترافقت عملية النشر مع انتقادات حادة؛ فبينما أعلنت الوزارة عن إصدار مئات الصفحات، اتُّهمت بحجب أسماء شخصيات بارزة عبر شطبها أو تأخير نشر وثائق جوهرية. كما أثار الكشف غير المقصود عن هويات بعض الضحايا موجة استنكار، إذ اعتبرت الناجيات أن كشف أسمائهن بينما يبقى المعتدون مختفين «خيانة مزدوجة» تُعرّض حياتهن للخطر وتكرّس ثقافة الإفلات من العقاب.

ما كُشف من الوثائق أظهر فعلاً مدى تعقيد الشبكات التي تربط المال بالنفوذ؛ فظهرت مراسلات تشير إلى علاقات مع شخصيات مثل الأمير أندرو وبيل غيتس، بينما حوكمت غيسلين ماكسويل لاحقاً كشريكة في الجريمة. لكن الغموض ظل يلفّ هوية أطراف رئيسية، ما عزّز القناعة بأن «فتح الملف» لم يكن كاملاً، بل جزئياً ومُداراً لامتصاص الغضب الشعبي دون المساس بدائرة الحماية التي تحيط بالنخبة. وبرز هذا التلاعب جلياً في المماطلة الطويلة في نشر الوثائق، ثم في التسرّب المتدرّج لها، في خطوة عكست ليس رغبة في الشفافية بقدر ما كانت انعكاساً لصراع النفوذ داخل الطبقة الحاكمة الأميركية - فبينما دفعت إدارة ترامب السابقة باتجاه كشف جزئي للوثائق كأداة ضغط في صراعها مع خصومها، حاولت دوائر أخرى في المؤسسة العميقة إبقاء الملف مغلقاً لحماية شبكة العلاقات التي تربط عدداً من رموز النخبة المالية والسياسية.

اليوم، وبعد خمس سنوات على اعتقاله، يبقى ملف إبستين شاهداً على تناقضات النظام الرأسمالي الغربي: نظام يتشدق بالعدالة بينما يُدار في جذوره بمنطق القوة والحماية المتبادلة بين النخب. فتح الوثائق لم يُنهِ القضية، بل حوّلها إلى سؤال مفتوح عن إمكانية تحقيق عدالة حقيقية في ظل هيمنة رأس المال على مفاصل السلطة. ويبدو أن الصراع بين طرفي رأس المال -الطرف العولمي الذي تلعب فيه القوى الصهيونية دوراً مفتاحياً بدءاً بأيباك ووصولاً للكيان الصهيوني، وبين طرف الانكفاء المتمثل بترامب ومن يمثله - هو العامل الحاسم في كشف هذه القضية المتشابكة ومآلاتها.

العبرة الجوهرية من مسار قضية إبستين لا تكمن في تفاصيل الجرائم بحد ذاتها، بل فيما كشفته عن طبيعة النظام الغربي: نظامٌ يروّج لنفسه كحامي للقيم الإنسانية وسيادة القانون، لكنه في اللحظة التي تتصادم فيها هذه القيم مع مصالح النخبة، يُظهر هشاشة مفاهيمه ويُفعّل آليات الحماية المؤسسية. إبستين لم يكن مجرماً منعزلاً، بل كان جزءاً من بنية تُدار عبر المال والنفوذ، وتُحمى بصفقات ادعاء سرية وعلاقات خلف الكواليس وغرف تحرير كبريات الصحف. وفاته الغامضة لم تكن سوى فصل درامي في مسلسل طويل من الإفلات، لكنها في الوقت نفسه فتحت الباب أمام مساءلة جزئية، وإن متأخرة، كشفت عن تصدعات عميقة في جدار الحصانة الذي يحيط بالنخبة الأمريكية والأوروبية.

ما جرى لم يكن انتصاراً للعدالة، بل نتيجة تدافع بين أجنحة الطبقة الحاكمة، حيث استُخدمت قضية الضحايا كرهينة في معركة نفوذ لم تكن مصلحتهن جزءاً منها. وفي هذا الدرس تكمن الرسالة الأهم: إن المساءلة الحقيقية للنخبة لا تتحقّق عبر نزاهة المؤسسات، بل عندما يرفض الشارع قبول ثقافة الإفلات من العقاب، ويُدرك أن «العدالة» في ظل الهيمنة الرأسمالية تبقى سلعةً تُقدّم عندما تتوافق مع حسابات المصالح، لا مع مبادئ الحق.