ملاحظات أولية حول المشهد الراهن في الجزيرة السورية
شيار فارس شيار فارس

ملاحظات أولية حول المشهد الراهن في الجزيرة السورية

أولاً: الوضع الراهن في الجزيرة السورية، وصل إلى منحدر خطير يمكن أن يؤدي إلى دورة عنف جديدة ليس في سوريا فقط، بل قد يتحول إلى شرارة لإشعال الحرائق في أكثر من دولة من دول المنطقة، يكلف شعوبها ضحايا جدد وأزمات جديدة تعرقل حقها المشروع في الأمن والاستقرار والتنمية والتقدم الاجتماعي.

ثانياً: القضية الكردية في سوريا لا تحتمل مزيداً من التجاذب الدولي والإقليمي، لا من حيث وزنها النوعي في معادلات الصراع الكبرى، ولا من حيث خصائصها. فالكرد في سوريا ليسوا مشروع دولة مستقلة كما تؤكد كل النخب القومية الكردية، ولا كتلة جيوسياسية قادرة على فرض معادلة إقليمية جديدة، بل هم مكوّن وطني ضمن دولة مأزومة، وكل محاولة لزجّهم في صراعات المحاور الكبرى كانت، ولا تزال، وصفة للفشل.
ثالثاً: عشر سنوات من الرهان على الولايات المتحدة انتهت إلى مأساة سياسية وأمنية صادمة، لم تُنتج ضمانات، ولم تُنتج حلاً، بل عمّقت القلق الوجودي. أما الإشارات الملتبسة، أو محاولات الغزل تجاه «إسرائيل» وطلب حمايتها كما تشير بعض التقارير، فإنها — إن استمرّت — لن تقود هذه المرة إلى مأساة فقط، بل إلى مهزلة تاريخية، لن تطول عشر سنوات هذه المرة، بل أقل بكثير.
رابعاً: وفي المقابل، لا يمكن تجاهل القلق الوجودي لدى كرد سوريا اليوم. هذا القلق مبرّر، وليس وهماً. التجربة القريبة، وما رافقها من ممارسات عنيفة ومهينة من جماعات محسوبة على السلطة في الساحل والسويداء، وما انطوت عليه من إذلال وانتهاك فجّ للكرامة الإنسانية، أحدثت انقلاباً حقيقياً في الوعي الاجتماعي، ورسّخت شعوراً عميقاً بانعدام الأمان.
خامساً: إن حملات التضامن والاحتجاج والتعبئة، على مشروعيتها الأخلاقية ونبل دوافعها لدى عامة الناس، لا تكفي وحدها. بل قد تتحول، إذا لم تقترن بموقف سياسي عقلاني، إلى نشوة زائفة تُنتج أوهاماً جديدة، وتقود في النهاية إلى هاوية أعمق. السياسة لا تُدار بالعواطف وحدها، ولا تُحمى بالهتاف.
سادساً: المشهد الراهن يوحي بأن فخاً جديداً يُنصب لهذه البلاد المكلومة. فخّ لا يمكن تفاديه عبر حملات التخوين، والتهويش الإعلامي، والتجييش القومي والطائفي. هذه الأدوات لا تمنع دفع المشكلة الكردية وبالتالي سوريا كلها نحو خيارات كارثية، بل تسرّعها، وتدفعها — من حيث يدري أو لا يدري أصحابها — إلى أحضان مشاريع خارجية أشد خطراً.
مرة أخرى، الكرة في ملعب السلطة. المطلوب ليس خطاباً عاماً ولا شعارات سيادية، بل موقف سياسي إسعافي، واضح وقطعي، يُترجم إلى إجراءات ملموسة تطمئن الناس، وتعيد بناء حدّ أدنى من الثقة. هذا وحده القادر على كسر الاستقطاب الحاد في الجزيرة السورية اليوم.
أما الاستمرار في الإنكار، أو الإجراءات والقرارات المتأخرة، وإدارة الأزمة بالعنتريات، أو الاستنجاد بقوى دولية، فلن يكون سوى جناية جديدة على البلاد، وعلى السوريين جميعاً — بمن فيهم من يظن نفسه منتصراً، أو من يظن أنه قاب قوسين أو أدنى من بناء دولة.
سابعاً: الكرد، بحكم التاريخ والجغرافيا معاً، هم جزء لا يتجزأ من الفضاء الثقافي والاقتصادي والسياسي للشرق. لا يمكن عزلهم وإقصائهم عنه، ولا يمكنهم الانفصال عنه. الجغرافيا حكمت عليهم — كما حكمت على غيرهم — بالعيش المشترك والمصير المشترك. وهذه الحقيقة ليست شعاراً أخلاقياً، بل قاعدة سياسية صلبة، يفرضها الواقع على الجميع، تستوجب اعترافاً متبادلاً لا منّة فيه ولا وصاية، ودون الاستقواء بالسلاح عليهم، ودون استقواء بعضهم بالخارج.
ثامناً: كان وما زال الحوار والتفاوض هو الحل الأمثل، ولا بديل عنه للوصول إلى توافقات، ومنع الانحدار نحو هاوية أعمق، لن يستطيع أحد الخروج منها.