الضفَّة الغربيَّة: حافَّة الانفجار المنهجيِّ
رهام الساجر رهام الساجر

الضفَّة الغربيَّة: حافَّة الانفجار المنهجيِّ

في 18/11 قتل مستوطنٌ وأصيب ثلاثةٌ آخرون بجروحٍ في عمليَّة دهسٍ وطعنٍ عند مفترق تجمُّع «غوش عتصيون» الاستيطانيِّ جنوبي بيت لحم، وفق ما نشرته هيئة البثِّ «الإسرائيليَّة»، إذ أفادت إذاعة جيش الاحتلال بأنَّ منفِّذي العمليَّة استشهدا في موقع الحادث إثر العمليَّة. هذه العمليَّة وغيرها من العمليَّات التي لم تنقطع بالضفة -وإن فصلت بينها فتراتٌ زمنيَّةٌ- تأتي كردٍّ على التصعيد «الإسرائيليِّ» جيشاً ومستوطنين، ما أدَّى إلى استشهاد ما لا يقلُّ عن 1073 شهيداً، 10700 مصاباً، 20500 معتقلاً خلال حرب الإبادة على غزة.

أبعاد العمليَّات على الداخل «الإسرائيليِّ»

للعمليَّات في الضفَّة الغربيَّة بعدٌ أمنيٌّ واستراتيجيٌّ، مؤثِّرٌ مباشرةً على الداخل «الإسرائيليِّ». فهي تضغط على جهاز الأمن «الإسرائيليِّ»، وتكشف نقاط ضعفه الأمنيَّة، ومقدرة المقاومة على تخطِّي الثغرات بديناميكيَّةٍ عاليةٍ، لا سيَّما في ظلِّ التداخل مع المستوطنات ومواقع حسَّاسةٍ كثيرةٍ داخل الأراضي المحتلَّة. وتشكِّل حالةً من التوتُّر الدائم، ما يدفع الحكومة إلى تشديد الإجراءات الأمنيَّة، وفرض حواجز تفتيش تؤثِّر على حركة «الإسرائيليِّين»، إضافةً إلى ارتفاع التكاليف الأمنيَّة والاقتصاديَّة، وهو يرتِّب بالمحصلة أعباءً مضاعفةً على المستوطنين؛ وتعزِّز الشعور بعدم الأمان بين المستوطنين، لا سيَّما في المستوطنات المحاذية للضفَّة.

على المستوى السياسيِّ تعيد هذه العمليَّات صياغة الموقف «الإسرائيليِّ»، وتزيد من الضغط على القيادة «الإسرائيليَّة» بشقيها السياسيِّ والعسكريِّ، لاتخاذ مواقف أكثر تشدُّداً تجاه الضفَّة، وتعمِّق حالة العزلة السياسيَّة للكيان في المحافل الدوليَّة مع تزايد انتقادات الانتهاكات «الإسرائيليَّة» في الضفَّة. إذ تتطلَّب هذه العمليَّات في الضفَّة الغربيَّة من الكيان تعزيزاً عسكريّاً واستخباراتيّاً، ما يؤدِّي إلى عمليَّات اقتحامٍ وحملاتٍ أمنيَّةً تعكس تصعيداً دائرياً بين الجانبين، فكلُّ عمليَّةٍ تجرُّ ردود فعلٍ أمنيَّةٍ وسياسيَّةٍ جديدةٍ وهو ما يصعِّد مؤشِّرات الخطر من تزايد العمليَّات الفدائيَّة.

مقاومة أكثر فاعلية

عودة تنفيذ عمليَّاتٍ مركَّزةٍ في الضفة، تعكس تغييراتٍ في صفوف المقاومة أيضاً، إذ تشير التقارير إلى إعادة تنظيم المقاومين الفلسطينيِّين، وتحقيق درجةٍ أعلى من التنسيق والجاهزيَّة، ما يشكِّل تحدياً أمنياً جديداً أمام قوَّات الاحتلال التي تسعى للسيطرة على الوضع. وهي تظهر قدرةً فلسطينيَّةً على استخدام أساليب متعدِّدةٍ كالهجوم المباشر (دهس وطعن)، ما يصعِّب عمليَّة توقُّعها أو التصدِّي لها، ما يعني بقاء حالة التوتُّر الأمنيِّ عاليةً في الضفَّة ومستمرَّة، لهذا فالعمليَّات في الضفَّة الغربيَّة لا تقتصر على أبعادٍ عسكريَّةٍ أو أمنيَّةٍ فقط، بل تمتدُّ لتؤثِّر على الجانب الاجتماعيِّ والنفسيِّ والسياسيِّ داخل المجتمع «الإسرائيليِّ»، ما يجعلها من أهمِّ التحدِّيات التي تواجه الكيان في الوقت الراهن. هذه الأبعاد المشتركة تظهر أنَّ لكلِّ عمليَّةٍ فدائيَّةٍ تأثيرٌ مضاعفٌ على الأمن الداخليِّ للكيان، ما يفرض عليها إعادة النظر باستراتيجيَّاتها الأمنيَّة والسياسيَّة تجاه الضفَّة الغربيَّة.

ماذا تغيَّر منذ عامين؟

على مدار العامين الماضيين شهد عمل المقاومة في الضفَّة الغربيَّة تطوراً ملحوظاً ومتعدِّد الأوجه، إذ تحوَّلت إلى حرب العصابات، مع التركيز على استغلال نقاط ضعف الاحتلال، بدلاً من المواجهات المباشرة، التي كانت تعطي الاحتلال تفوُّقاً أكبر، من خلال الهجمات الخاطفة، الكمائن، واستخدام أساليب أكثر ديناميكيَّة لتحريك المقاومة في الأزقة والشوارع الصغيرة.

توسَّع شكل المقاومة ليشمل أشكالاً متعدِّدةً، مثل العمل الفرديِّ الذاتيِّ، الهجمات باستخدام العبوَّات الناسفة، الطعن، والدهس، إلى جانب استخدام العمليَّات المركَّزة من مجموعاتٍ منظَّمةٍ، وتبنِّي تكتيكات الكمائن والهجمات الدقيقة، التي تشكِّل خطَّ دفاعٍ رئيسيٍّ مع ارتفاع الاستيطان والاحتلال، إذ تظهر هذه التكتيكات نجاعتها وصعوبة استهدافها من الاحتلال.

عموماً المقاومة في الضفَّة الغربيَّة خلال العامين الماضيين تنقَّلت من عمليَّاتٍ تقليديَّةً إلى حرب عصاباتٍ وتكتيكاتٍ متقدِّمةٍ، تجمع بين التنوُّع في الأساليب واستخدام تقنيَّاتٍ حديثةً، ما يعزِّز قدرتها على مواجهة الاحتلال على نحوٍ أكثر فاعليَّةً مع تطوُّر الأوضاع الميدانيَّة والأمنيَّة.

جمرٌ من تحت الرماد

تراجع حضور أخبار الضفَّة في المشهد الإعلاميِّ العالميِّ، إذ كان تركيز الإعلام الدوليِّ والإقليميِّ على الحرب والدمار الواسع في غزة بعد اندلاع الحرب في أكتوبر، أبعدها نسبياً عن الاهتمام الإعلاميِّ، لكنَّ لا يمكن تجاهل حجم التغيُّرات التي أحدثها الطوفان في غزة، مع خصوصيَّة وضع الضفَّة الغربيَّة لتعمُّق التشابك الأمنيِّ والسياسيِّ بين الفلسطينيِّين والمستوطنين، حيث تحوَّلت إلى جبهة قتالٍ مفتوحةٍ تشتدُّ فيها المواجهات يوميّاً، وأصبحت الوقائع هناك أكثر تعقيداً.

فهي من وجهة النظر «الإسرائيليَّة» جبهةٌ مفتوحةٌ للتصعيد الأمنيِّ، مع استدراكهم أنَّ العمليَّات الفدائيَّة والتوتُّرات المستمرَّة تشكِّل تحدياً أمنياً معقَّداً. تنظر له بعين الترقُّب والقلق، مع تزايد تنظيم المقاومة وتطوُّر تكتيكاتها، فأيُّ حالٍ من الاستقرار النسبيٍّ في الضفَّة يمكن أن ينكسر فجأةً. كما أنَّ العنف المستمرِّ، وتصاعد الاعتقالات، والهجمات على المستوطنات يُنظر إليها كجزءٍ من مخطَّطٍ أكبر يعيد تشكيل معادلة الصراع نحو مزيدٍ من التعقيد والاحتقان. تشمل الرؤية «الإسرائيليَّة» أيضاً مخاوف من انفجار جبهة الضفَّة في سياق التوتُّرات الممتدَّة من غزة، إذ يرون أنَّ أيَّ توتُّرٍ في القطاع يمكن أن يمتدَّ ويؤثِّر في الضفَّة، ما يحتِّم استمرار السياسة الأمنيَّة المشدَّدة والعسكريَّة.

بالتالي، فإنَّ 2023 وما بعدها حتَّى وقف إطلاق النار في غزة مثَّلت مرحلةً حاسمةً شهدت تصعيداً غير مسبوقٍ في الضفَّة الغربيَّة، مع تبعات إنسانيَّةٍ وأمنيَّةٍ وسياسيَّةٍ كبيرةً على الفلسطينيِّين، رغم تراجع التغطيَّة الإعلاميَّة لصالح غزة إلَّا أنَّ الأوضاع بقيت حادَّةً ومثيرةً للقلق، مع محاولات الكيان احتواء هذا التصعيد بأدواتٍ أمنيَّةٍ وسياسيَّةٍ.

مؤشِّرات مراكز الأبحاث وصنع القرار

في محاولةٍ لتقديم فهمٍ لما تقدِّمه مراكز الأبحاث في الكيان، نجد أنَّها تُجمِعُ على جملةٍ من القضايا الجوهريَّة، التي قد تقدِّم فكرةً عن التناقضات التي تعصف داخل الكيان من جهةٍ، ونظرة الترقُّب والقلق التي تسبِّبها أحداث الضفَّة عموماً وعودة العمل الفدائيِّ إليها وبوتيرةٍ متصاعدةٍ.

إذ تتفق المراكز على أنَّ سياسة الحكومة «الإسرائيليَّة» الحاليَّة تمثِّل محاولةً لتكريس السيطرة «الإسرائيليَّة» على الضفَّة الغربيَّة، عبر خطواتٍ عمليَّةٍ تشمل «فرض السيادة» على أجزاء واسعةٍ من المنطقة، برفع شرعيَّة الاستيطان وتوسيع المستوطنات، إلى جانب فرض إجراءاتٍ أمنيَّةٍ مشدَّدةٍ على الفلسطينيين، وهو ما يتماشى مع توجُّه التيَّار اليمينيِّ الدينيِّ المتشدِّد في الحكومة، التي تسعى إلى طمس فكرة إقامة دولةٍ فلسطينيَّةٍ، عادَّةً أنَّ أيَّ محاولةٍ لقيام دولةٍ فلسطينيَّةٍ مستقلَّةٍ تشكِّل تهديداً أمنيّاً وإقليميّاً، لذا يُدفَعُ نحو إعادة احتلالٍ شاملةٍ للضفَّة تشمل عمليَّاتٍ عسكريَّةً وتمشيطاً للمدن والقرى الفلسطينيَّة، هذا التوجه شمل نقل ملفَّ الاستيطان إلى وزارة الأمن لتسريع التوسُّع، وللحيلولة دون إقامة دولةٍ فلسطينيَّةٍ، وطمس فكرة الدولة الفلسطينيَّة وفتح الطريق أمام تهجيرٍ واسعٍ للفلسطينيِّين.

هذه الاستراتيجيَّة، وإن كانت مدعومةً بتوافقٍ أميركيٍّ نسبيٍّ، تواجه ضغوطاً دوليَّةً متزايدةً وتحدِّياتٍ كبيرةً، لتصاعد المقاومة الفلسطينيَّة والعمليَّات المسلَّحة، ما يزيد من حدَّة الصراع ويعرِّض الاستقرار الأمنيَّ الذي تسعى «إسرائيل» للحفاظ عليه للفشل الذريع، رغم المراجعات الدوريَّة لسياساتها في الضفَّة، وسط احتمالاتٍ لتغيُّراتٍ مفاجئةٍ على الأرض نتيجة تصاعد عمليات المقاومة الفلسطينيَّة التي تنذر بعدم استقرار طويل الأمد، ما يعكس نزعةً إداريَّةً وأمنيَّةً تقضي بتحويل السلطة الفلسطينيَّة إلى «كيانٍ إداريٍّ» محدود الصلاحيَّات، يقتصر عمله على الشؤون المدنيَّة دون أيِّ بعدٍ سياسيٍّ أو سياديٍّ حقيقيٍّ، لتقليل التورُّط السياسيِّ والعسكريِّ المباشر في الضفَّة، مع ميلٍ إلى سياسة «الانفصال الأحادي» التي تؤمِّن السيطرة «الإسرائيليَّة» مع أقلِّ قدرٍ من المسؤوليَّات الإضافيَّة.

الجدير بالذكر أنَّ هذه المراكز تدعو إلى ضرورة مراجعة السياسات تجاه السلطة الفلسطينيَّة، والتفكير في إمكانيَّة التعامل مع حركة حماس كبديلٍ في حال فشل السلطة، مع الحاجة إلى دعمٍ إقليميٍّ ودوليٍّ لإصلاح السلطة وإعادة تأهيلها، وضمان استقرار الأمن في الضفَّة بما يخدم مصالح الكيان. فهي تدرك تأثيرات التوسُّع الاستيطانيِّ على الحالة السياسيَّة والأمنيَّة، بوصفه استراتيجيَّةٌ تهدف إلى تغيير الوقائع على الأرض وفرض حقائق دائمةٍ تكرِّس الاحتلال على نحوٍ فعليٍّ، مع اعترافٍ شبه رسميٍّ بصعوبة تحقيق حلٍّ سياسيٍّ شاملٍ في المستقبل القريب.

فاستمرار التصعيد العسكريِّ والأمنيِّ واسع النطاق منذ عمليَّة «طوفان الأقصى» في أكتوبر 2023، خلَّف آلاف الشهداء والجرحى والاعتقالات في صفوف الفلسطينيِّين، و«إعادة احتلال» لمناطق واسعة في الضفَّة. وحوَّل السلطة الفلسطينيَّة جهازٍ إداريٍّ محدود الصلاحيَّات، يخدم احتياجات الاحتلال في إدارة الشؤون المدنيَّة اليوميَّة دون بُعدٍ سياسيٍّ أو سياديٍّ ذي معنًى. هذه السياسة تؤسِّس لمرحلةٍ جديدةٍ بعيداً عن اتفاقيَّات أوسلو وحلِّ الدولتين، مع توقُّع تزايد الرفض الدوليِّ والنقد، والانعكاسات الأمنيَّة والسياسيَّة على «إسرائيل» قد تؤدِّي إلى ضغوطٍ داخليَّةٍ وخارجيَّةٍ كبيرةٍ.

يشير تقييم مركز أبحاث الأمن القوميِّ إلى أنَّ حكومة الكيان تتبع سياسة الانفصال الأحاديِّ الجانب، التي تواجه تحدِّياتٍ متناميةً بسبب تصاعد المقاومة، ما يجعل الاستقرار بعيد المنال. ويعكس واقعاً معقَّداً من تصاعد التوتُّرات، ولغياب حلٍّ سياسيٍّ شاملٍ، وتزايد الضغوطٍ والعزلة السياسيَّة للكيان، ما يجعل سياسة الضفَّة الحاليَّة محور جدلٍ كبيرٍ داخل «إسرائيل» وعلى المستوى الدوليِّ.

في الواقع هذه السياسة بدأت تخسر الدعم الداخليَّ، مع تزايد التحدِّيات الأمنيَّة المتصاعدة على الأرض، كتصاعد العمليَّات الفدائيَّة الفلسطينيَّة، السياسة «الإسرائيليَّة» تحاول تسويغها بأنَّها محاولةٌ لضمان الأمن «الإسرائيليّ»، ولكنَّها تواجه خطر استمرار التصعيد وعدم الاستقرار. كما تطرح مسألة احتماليَّة تراجع السلطة الفلسطينيَّة، بمقابل توسُّع قدرة فصائل المقاومة، وهو ما يشكِّل معضلةً أمنيَّةً جديدةً للكيان، قد لا تستطيع الدراسات والتوصيات استيعابها في مقبل الأيَّام. مع ذلك، «إسرائيل» تعتمد على دعمٍ إقليميٍّ ودوليٍّ نسبيٍّ وغير ثابت لهذه السياسات رغم الانتقادات الدوليَّة المتزايدة، التي أثرت على هذا الدعم وقد تؤدِّي بنهاية المطاف إلى توقُّفه.