مفاوضات جنيف وتعديلات خطة السلام
بعد التفاعل الواسع الذي أثاره تسريب خطة السلام الأمريكية المؤلفة من 28 بنداً، والتي اعتبرها الأوروبيون والأوكرانيون تتضمّن «تنازلات كبرى» لروسيا من دون ضمانات أمنية ملزمة، عُقدت مباحثات ثنائية بين الولايات المتحدة وأوكرانيا في جنيف يومي 23 و24 تشرين الثاني/نوفمبر 2025. أسفرت هذه الجولة عن صيغة معدلة من الخطة، تضمّنت 19 بنداً، ووصفت من قبل الأوساط الأوكرانية والأمريكية بأنها تحسّنت مقارنة بالنسخة الأولى، لا سيّما لجهة تجنّب الاعتراف بالسيادة الروسية على الأراضي المحتلة في دونباس، وزابوريجيا، وخيرسون، وكذلك شبه جزيرة القرم.
محادثات جنيف: تقدّم محدود وخطوط حمراء واضحة
شارك في المحادثات وفد أمريكي رفيع المستوى برئاسة وزير الخارجية ماركو روبيو، ووزير الدفاع دانيال دريسكول، بينما مثل أوكرانيا أندري يرماك، رئيس مكتب الرئيس فولوديمير زيلينسكي، ووزير الدفاع روستيم أوميروف.
نتج عن اللقاء ما وُصف بـ«إطار سلام محدّث»، يشمل بنوداً متقدمة نسبياً في ملفات وقف إطلاق النار المؤقت، وتبادل الأسرى، والتعاون الإنساني. لكنه ترك القضايا الجوهرية -خصوصاً مصير الأراضي التي تسيطر عليها روسيا- معلّقة، مشدّداً على أنها تتطلب قراراً رئاسياً أوكرانياً.
وجاء التأكيد الأوكراني على هذه النقطة واضحاً في تصريحات يرماك لصحيفة ذا أتلانتيك، حيث قال: «ما دام زيلينسكي رئيساً، لا ينبغي لأحد أن يتوقع منا التنازل عن أي شبر من الأراضي. هو لن يتنازل عن أية أراضٍ».
من جهته، وصف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التقدم بأنه «هائل»، مشيراً إلى أن «بضع نقاط فقط لا تزال عالقة»، ما يعكس رغبة واشنطن في التوصل إلى تفاهمات قبل أي تغيّر جوهري في المشهد السياسي أو العسكري.
الموقف الروسي: شروط ثابتة
يبقى الموقف الروسي واضحاً وثابتاً: فموسكو تربط أي وقف للعمليات العسكرية بشرطين جوهريين - حياد أوكرانيا، والاعتراف بضم مناطق دونباس والقرم.
وفي خطابه يوم الخميس، أشار الرئيس فلاديمير بوتين إلى أن الإطار الأمريكي-الأوكراني «يمكن أن يكون أساساً لاتفاق مستقبلي»، لكنه أكّد أن «إحدى النقاط الرئيسية ستكون الاعتراف بالسيادة الروسية على تلك المناطق». كما شدّد ديمتري بيسكوف، المتحدث باسم الكرملين، على أن موسكو تلقت النسخة النهائية من الخطة، وستقيّم ما إذا كانت التعديلات قد أفرغتها من مضمونها، معتبراً أن أي تغيير جوهري سيُعيد فتح الملف من الصفر.
الموقف الأوروبي: طموحات وقيود
سعت العواصم الأوروبية إلى إدخال تعديلات تُضفي على الخطة «مزيداً من التوازن»، من خلال اقتراح ضمانات أمنية ملزمة لأوكرانيا، بل وطرح فكرة تشكيل قوة عسكرية أوروبية مشتركة لردع أي تصعيد مستقبلي.
إلا أن هذه المقترحات، رغم ما تحظى به من دعم سياسي وإعلامي، تواجه واقعاً عملياً معقداً: فالميزانيات الدفاعية الأوروبية لا تزال دون المستويات المطلوبة لرفع الجاهزية، ويُشكّك خبراء في جدوى أي تواجد عسكري أوروبي فعّال من دون غطاء أمريكي مباشر.
في هذا السياق، يكتسب ملف الأصول الروسية أهمية متزايدة، باعتباره ورقة مالية محتملة لتمويل دعم عسكري. وتُشير تقارير إلى أن مفاوضات جارية لاستخدام جزء من هذه الأصول في تمويل صفقة طائرات «رافال» الفرنسية، التي ستُسلّم لأوكرانيا على مدى عشر سنوات.
خاتمة
مع استمرار المباحثات، تتجه الأنظار إلى الزيارة المرتقبة للدبلوماسي الأمريكي ويتكوف إلى موسكو الأسبوع المقبل، والتي قد تُحدد ما إذا كانت روسيا ستوافق على التعديلات التي أُدخلت على الخطة.
لكن واقع الميدان لا يقف عند عتبة التفاوض: فالجيش الروسي يواصل تقدّمه في مناطق شرق الدونباس، خصوصاً في محيط بوكروفسك، حيث تشكل السيطرة على هذا المحور المُحصّن مفتاحاً استراتيجياً لتوسيع النفوذ شرق نهر الدنيبر.
وبالتوازي، تزداد الضغوط على الأوروبيين والأمريكيين جرّاء استنزاف الموارد العسكرية في دعم أوكرانيا، دون تحقيق مكاسب ميدانية حاسمة. هذا الواقع يفسّر -ولو جزئياً- سبب التسارع الأمريكي نحو التوصل إلى تسوية، حتى لو كانت مؤقتة أو جزئية، بهدف وقف استنزاف الموارد قبل أن تتحول الحرب إلى مأزق استراتيجي أعمق.
معتز منصور