«قضايا» خلّبيّة
هاملتون نولان هاملتون نولان

«قضايا» خلّبيّة

إنْ كنتَ ماهراً وقادراً على دفع «القضيّة التافهة» إلى حيّز «الجميع يعلم»، ستتمكن من النجاة بعدم قدرتك على تعريف هذه القضيّة. «ما الذي تعنيه هذه القضيّة؟ ما هذا السؤال الغبيّ، الجميع يعلم ما تعنيه...». لهذا الفشل تأثير عبثيّ بوجهين: الأول أنّه يسمح لجهات سياسية فاعلة سيّئة النيّة بالاستغلال المقصود للضعف الخطابيّ من أجل تشويه سمعة الأطراف المعادية عبر التضخيم المستمر لتعريف الأشياء كي يشمل كلّ ما يفعله الطرف الآخر. هذا هو السلوك النموذجي للحثالة السياسية، ويجب توقّع حدوثه. الأسوأ من ذلك أنّه يخلق دورة تعزيزٍ ذاتيّ، حيث يؤدي الاستخدام الواسع لمصطلح غامض، وغير محدد التعريف، إلى إقناع الجماهيرَ بأنّ هذا المصطلح شيءٌ مهمّ، لتقوم التغطية الإعلامية له بخَلق أبراجٍ مَنيعة لا معنى لها تسيطر على كامل الخطاب السياسي.

ترجمة : قاسيون 

هناك قلق متزايد اليوم من فكرة أنّ المعلومات المضللة ونظريات المؤامرة والدعاية المنتشرة في كلّ مكان، خلقت حالة حيث لم يعد الشعب يملك حتّى مجموعة واحدة من الحقائق المتفق على الجدال حولها. هذا توصيف صحيح، لكنّه غير قادر على تفسير عيبٍ هامّ فيما نقوم به: نحن نسمح بخلق «قضايا» كاملة والحديث عنها بلا نهاية في الإعلام السياسي الوطني، دون أن نقرّر أساساً ما تعنيه هذه القضيّة. وتهيمن على خطابنا السياسي «قضايا» لا وجود حقيقي لها.

الكثير ممّا نتحدث عنه بوصفه «قضايا» هو في واقع الحال مجرّد كلمات. يجادل جانبٌ بما تعنيه الكلمات، بينما يجادلُ الطرف المقابل بمعنى آخر للكلمات نفسها. يتهم كلّ طرف الآخر بأنّه لا يعالج القضيّة، ذلك أنّ تعريف هذه القضيّة مختلف بين الجانبين. يضمن مثل هذا النوع من الجدال استمرار النقاش السياسي دون الخروج عن مسارٍ محدَّد ومتفَّق عليه مسبقاً بشكل متبادل، ليشبه طريق سيارات سريع باتجاهين متعاكسين.

مثال: ما الذي تعنيه «ثقافة الإلغاء»؟ هل تعني «طردك من عملك لأنّك عنصري أو تُميّز جنسياً؟»، أم يعني «أن يتم انتقادك في العلن لقولك أشياء عنصريّة أو تمييزية؟ أم تعني «الأشياء التي تم تصنيفها عادة بأنّها عنصريّة وأنا منزعج لأنني أرغب بقولها»؟ من السهل أن نرى كيف أنّ «ثقافة الإلغاء» قد تعني ضمن تعريفات محدَّدة مجرّد مشكلة ضيقة للغاية لا تأثير كبير لها على العامّة. من خلال هذه التعاريف تصبح القضيّة مجرّد إعادة تسمية لنقاط ضعف بشريّة عاديّة تصاحب معايير اجتماعية تتغيّر ببطء. علينا أن ندرك هنا بأنّ الدخول بأيّ نقاش عن «ثقافة الإلغاء» دون ربطه بالمشكلات الأعمق ومنحه التعريف الدقيق، يعني الوقوع في الفخ قبل أن نبدأ النقاش حتى.

ينطبق هذا على الكثير من القضايا الخُلّبية التي لا معنى لها، ولكن أيضاً على الكثير من القضايا التي تبدو وكأنّها شرعية تحمل تعاريف صارمة. فعلى سبيل المثال، ما الذي تعنيه «الاشتراكية» بالضبط؟ التعريف المعجميّ لها لن يهم في إطار الاستخدام الإعلامي. فالاشتراكية قد يتم استخدامها من قبل طيف واسع من السياسيين الذين يقصدون أيّ شيء، بدءاً من «نظام سياسي بديل عن الرأسمالية أكثر ديمقراطية ومساواة» أو «ضماناً اجتماعياً وصحّة عامة» أو «كيم جونغ أون يعدم مسؤوليه الحكوميين باستخدام مضاد الطائرات».

إنّ كمّ «القضايا» التي يلوكُها السياسيون ضمن نقاشاتهم وكأنّها «قضايا» حقيقية يرتبط بها أيّ شيء، هائل. ومحاولة تناول أحدها بحسن نيّة للوصول إلى القضيّة الجوهرية هو المعادل السياسي لمحاولة أحدهم إيقاف موج المحيط بيدين عاريتين.

إنّ حقيقة أنّ التوصُّل إلى تعريفٍ واقعي متَّفَق عليه بشكل متبادل لأيّ قضيّة، وربط جذرها بالقضايا الأخرى هو أمرٌ شاقٌّ للغاية ويستغرق وقتاً طويلاً، يعني ضمناً بأنّ هذه «القضيّة» غير موجودة بالضرورة.

ربّما يكون الالتزام بالحديث عن هذه «القضايا» التفافاً على الحديث عن قضايا حقيقية سهلة التعريف، مثل الفقر واللامساواة والموت بالمرض وتغيّر المناخ والحرب، وتجنباً لنقاشها بشكل هادف. عندما يقضي شخصٌ ما جُلّ وقتِه بالحديث عن أشياء تبدو ضبابيّة غير قابلة للتحديد، فربّما يكون السبب عدم راحته للتحدّث بمواضيع واقعيّة لا تحمل السمات ذاتها.

 

بتصرّف عن: Words That Mean Nothing

No Internet Connection