هل هنالك أي معنى لما يسمى «الإعفاءات الإنسانية من العقوبات»؟
ريم عيسى ريم عيسى

هل هنالك أي معنى لما يسمى «الإعفاءات الإنسانية من العقوبات»؟

لا يخفى على أحد أن المقصود بالعقوبات الاقتصادية أن تكون أولاً وقبل كل شيء أداة يمكن من خلالها للدولة أو مجموعة الدول التي تفرضها تحقيق أهداف ومصالح سياسية تخصها، والتي لا تتفق في كثير من الأحيان مع الأهداف المعلنة من وراء العقوبات؛ إذ لا يكاد يوجد مثال واحد على عقوبات حققت أهدافها المعلنة. خير دليل على ذلك هو العقوبات الأمريكية أحادية الجانب، وآخرها العقوبات الإضافية المفروضة على سورية تحت الاسم الساخر "قانون قيصر لحماية المدنيين في سورية لعام 2019" (قانون قيصر)، الذي تم توقيعه ليصبح قانوناً في كانون الأول (ديسمبر) 2019 ودخل حيز التنفيذ في منتصف حزيران (يونيو) من هذا العام.

 

في حين أن العقوبات الأحادية هي قوانين "محلية" بمعنى ما، فإن تأثيرها الأكبر (الكامل في بعض الأحيان) يتجاوز غالباً الحدود الإقليمية، وبالكاد يمكن إيجاد صلة بين القوانين المحلية وقوانين العقوبات. وبالتالي، فإن القانون الدولي هو الإطار الذي ينبغي من خلاله فحص شرعية العقوبات، وهذا ليس بالأمر السهل لأن نص القانون الدولي والأسبقية غامضان بشأن الموضوع وقليلا الفائدة. ناهيك عن أنه عندما تنتهك الدول القانون الدولي، لا يتم فعل الكثير أو لا يمكن القيام بالكثير لثنيها، بسبب الطريقة التي يعمل (أو لا يعمل) بها القانون الدولي، ولا أحد لديه خبرة في تجاهل القوانين الدولية وانتهاكها بشكل سافر كتلك التي لدى واشنطن.

على عكس الأعمال العسكرية، على سبيل المثال، التي تخضع لقوانين واتفاقيات دولية محددة قابلة للتطبيق، لطالما كانت العقوبات الاقتصادية مجالاً غامضاً قانونياً؛ تبين ذلك الدراسات العديدة التي لم تعجز عن الوصول إلى نتائج موحدة أو متقاربة فحسب، بل إنّ الدراسة الواحدة نفسها كثيراً ما تتضمن استنتاجات متناقضة. ونعتقد أن هذا الأمر ليست مصادفة...

كبداية، يجب أن نلاحظ أن التحليل القانوني لموضوع العقوبات الاقتصادية ليس بالمهمة السهلة، لذلك سننظر في العقوبات التي تفرضها الولايات المتحدة، وبشكل أكثر تحديداً، قانون قيصر - يمكننا التطرق إلى جوانب أخرى في السياق. نشرت Just Security مؤخراً تحليلاً شاملاً لشرعية (أو عدم شرعية) قانون قيصر بموجب القانون الدولي (ونشرت قاسيون ترجمة مختصرة له). لذلك، لن ندخل في تحليل قانوني للقانون بأكمله، لكننا سننظر فقط في مسألة "الإعفاءات" فيما يتعلق بقانون قيصر، والتي تشبه الإعفاءات في معظم برامج العقوبات الأخرى. من المفترض أن تؤدي الاستثناءات في سياق العقوبات إلى تقليل الآثار السلبية على السكان المدنيين في الدولة المستهدفة، وتشمل هذه عادة المساعدات الإنسانية والأدوية.

الإعفاءات في قانون قيصر

المسؤولون الأمريكيون والقسم من "مواطنينا" السوريين الذين يهتفون للعقوبات بشكل عام ولقانون قيصر على وجه الخصوص، لديهم دائماً الإجابة نفسها عندما ينتقد المرء العقوبات بسبب آثارها السلبية على السوريين العاديين بقولهم "إن العقوبات تستثني المساعدات الإنسانية والأدوية". حتى إن بعض الجماعات والأفراد داخل "المعارضة" يكررون التبرير نفسه بينما يهتفون لما هو أساساً قانون «محلي» لبلد آخر، وحتى أنهم يتفاخرون به وكأنه أحد أعظم إنجازاتهم. بغض النظر عن ذلك، ما الذي يقوله قانون قيصر بالفعل عن هذه الإعفاءات؟

ينص قانون قيصر على ما يلي تحت قسم "الاستثناءات والإعفاءات":

(ج) الاستثناءات لأسباب إنسانية -

(1) بشكل عام - يجوز للرئيس أن يستثني، لفترات قابلة للتجديد لا تتجاوز عامين، تطبيق أي حكم من أحكام هذا القانون فيما يتعلق بمنظمة غير حكومية تقدم مساعدة إنسانية لا يغطيها التفويض الموضح في القسم 305 إذا أقر الرئيس للجان الكونغرس المناسبة أن هذا الاستثناء مهم لتلبية حاجة إنسانية ومتوافق مع مصالح الأمن القومي للولايات المتحدة.

هذا هو الشيء الوحيد المذكور حول الإعفاء لأسباب إنسانية، والذي يوفر للمنظمات ذات الصلة القليل من التوجيه فيما يتعلق بما إذا كان بإمكانها المضي في أنشطتها دون التعرض للعقاب. قد يجادل البعض بأن القانون يوفر الكثير من التفاصيل فيما يتعلق بالأنشطة الخاضعة للعقوبات؛ ومع ذلك، فإن أجزاء كثيرة منه تعطي قدراً كبيراً من السلطة التقديرية للرئيس الأمريكي والكيانات الأخرى داخل حكومة الولايات المتحدة لاتخاذ قرارات تستند إلى أشياء مثل "مصالح الأمن القومي للولايات المتحدة".

بعض المنظمات والكوادر الطبية في سورية قد أثاروا بالفعل عدة قضايا تتعلق بالصعوبات التي يواجهونها بموجب برامج العقوبات المختلفة، وخاصة بموجب قانون قيصر، الذي ينص أيضاً على عقوبات ثانوية. تتضمن بعض هذه المشكلات حقيقة أن بعض المعدات الطبية يمكن أن تندرج ضمن فئة "الاستخدام المزدوج" (كما هو الحال مثلاً مع المنافس الطبية)، لأنه من الناحية الفنية يمكن تفكيكها واعتبار أجزاء منها قابلة للاستخدام في تصنيع الأسلحة، مما يعني أنها تتطلب استثناءً خاصاً.

بالإضافة إلى ذلك، لا يمكن للعديد من المنظمات العاملة في مناطق النظام العمل دون التسجيل لدى الحكومة السورية، وبالتالي، فإنها ستحتاج إلى الحصول على إعفاء خاص من خلال التقدم بطلب إلى وزارة الخزانة الأمريكية، وهي عملية مكلفة من حيث الوقت والموارد، وهي ليست شفافة أو سهلة، خاصة بالنسبة لمنظمة تعمل في سورية وفي ظل الظروف الحالية.

«افتراض البراءة» و«عبء الإثبات»

أنتقل الآن بإيجاز إلى القانون والنظر في المفاهيم القانونية البسيطة لافتراض البراءة (أي: الشخص بريء حتى تثبت إدانته) وعبء الإثبات (المدعي أو الطرف الذي يقدم الدعوى يتحمل العبء الأولي لإثبات أن المدعى عليه تسبب بضرر للمدعي بناءً على أفعال تنتهك "القانون"). يكاد هذان المبدأان يكونان عالميين، بغض النظر عن مدى احترامهما فعلياً في أجزاء مختلفة من العالم.

على المستوى الدولي، إذا نظرنا إلى قواعد الإجراءات والإثباتات للمحكمة الجنائية الدولية، يظهر هذان المبدأان في القاعدة 26، التي تنص على أن "أي شكوى تتعلق بأي سلوك... يجب أن تتضمن الأسس التي تستند إليها" (عبء الإثبات الأولي هو على مقدم الشكوى أو الجانب الذي يقدم الشكوى) و "الرئاسة ... سوف ... تنحي جانباً ... الشكاوى التي لا أساس لها من الصحة بشكل واضح" (افتراض البراءة).

من المفترض أن يعفي قانون قيصر في تطبيقه المساعدات الإنسانية. ومع ذلك، بناءً على ما سبق وعلى بيان صادر عن خبراء الأمم المتحدة (بما في ذلك المقرر الخاص المعني بالتأثير السلبي للتدابير القسرية الانفرادية على التمتع بحقوق الإنسان والمقررين الخاصين الآخرين لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة) في 7 أغسطس 2020، فإن الكيانات التي تحاول تقديم مساعدات إنسانية يجب أن تحصل على الإعفاءات الإنسانية من العقوبات، وهي "إجراءات تستغرق وقتاً طويلاً وغالباً ما تكون مكلفة". وهذا في جوهره، يضع هذه الكيانات في موقف تحمل عبء إثبات أنها لا تنتهك العقوبات قبل أن تتخذ أي إجراء، وبالتالي فإن قيصر يفترض أنها كيانات "مذنبة" حتى تثبت "براءتها"! 

من الناحية الفنية والقانونية، يجب أن تكون هذه الكيانات (المعنية بتقديم المساعدات الإنسانية) قادرة على القيام بعملها، وإذا اشتبه في انتهاكها لـ"القانون"، فسيتم رفع دعوى ضدها، مع إظهار الدليل على أنها تنتهك "القانون" المذكور، عندها فقط يجب على هذه الكيانات إظهار دليل على أنها "بريئة".

إن مطالبة الكيانات التي تقدم المساعدة الأساسية للسوريين، لا سيما في خضم جائحة COVID-19 والظروف الإنسانية والطبية المتدهورة بالفعل والاقتصاد المنهار، بتحمل مسؤولية إثبات أنها معفية ليست أمراً غير إنساني فحسب، بل وغير قانوني أيضاً من حيث الأساس.

لكن الولايات المتحدة تهتم ... أليس كذلك؟

بناءً على اسم القانون(الذي يتضمن حماية المدنيين السوريين) والخطاب الذي سمعناه وما زلنا نسمعه من المسؤولين الأمريكيين وبعض السوريين، قد يعتقد المرء أن الولايات المتحدة تضع المدنيين السوريين في الاعتبار كأولوية عند صياغة قانون قيصر. قد يعتقد المرء أيضاً أن واضعي قانون قيصر قد بذلوا العناية الواجبة لضمان عدم وجود آثار سلبية على المدنيين. ومع ذلك، ومن خلال حديث جيمس جيفري عبر الإنترنت حول قانون قيصر في 18 يونيو، بعد يوم من دخوله حيز التنفيذ، لم يكن هذا هو الحال إطلاقاً. يقول جيفري: "القانون له تأثيرات ثانوية وثالثية محتملة يمكن أن تؤثر على الناس بشكل عام، وهذا صحيح عموماً عند تطبيق أي عقوبات اقتصادية، لا يمكنك التأكد من ماهية الآثار جميعها"، وشرح لاحقاً: "لا يمكنني ضمان الحماية الكاملة من أي آثار ثانوية وثالثية لأي عمل نتخذه كإدارة أو أي إدارة في مجال السياسة الخارجية". ويضيف أيضاً: "لا شيء نقوم به تحديداً سيسهم في اضطراب اقتصادي كبير للشعب، أعتقد أنه سيؤدي إلى اضطراب اقتصادي للأنشطة التي يقوم بها النظام، ولا أعرف بعض الآثار الثانوية لذلك".

لا شيء من هذا يوحي بأن الولايات المتحدة اعتنت بضمان عدم تضرر المدنيين؛ في الواقع، يبدو أن الولايات المتحدة لم تكلف نفسها عناء معرفة الآثار السلبية، لأن المدنيين لم يكونوا ولن يكونوا أبداً أولوية لأي سياسة أمريكية، لا في سورية، ولا في أي مكان في العالم.

أكثر من ذلك، فإنّ ما يمكن توقعه بخصوص السلوك الأمريكي هو في الحقيقة معاكس تماماً؛ من المحتمل حقاً أن يكون الاستهداف الفعلي للأمريكيين هو بالضبط الإضرار بالمدنيين السوريين، بما يولده ذلك من تعميق للتوتر والفوضى، الأمر الذي من شأنه أن يوسع «المستنقع» الذي يصف جيفري مهمته بأنها تتركز في تصنيعه في سورية، أو بالأحرى تحويل سورية إليه...