التغريبة السورية: الأزمة التي لم تبدأ بعد!
زياد غصن زياد غصن

التغريبة السورية: الأزمة التي لم تبدأ بعد!

مع نزوح ما يزيد على ستة ملايين شخص داخلياً، وهجرة ولجوء نحو أربعة ملايين إلى خارج البلاد، تكون الخريطة السكانية لسوريا قد شهدت التغيير الأعمق لها منذ الاستقلال. والسؤال: هل يكون هذا التغيير مؤقتاً؟

في تغريبة السوريين داخل حدود الوطن، يرتسم بعض من ملامح المشكلة السكانية الكبرى التي تنتظر سوريا مستقبلاً، بأبعادها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. فالنزوح الذي لم يتوقف لحظة واحدة منذ دخول البلاد في دوامة العنف، أسهم في إعادة تشكل الخريطة السكانية للبلاد على نحو خطير، قد لا تتبدى مؤشراته حالياً بوضوح، نتيجة نقص البيانات وغياب المعلومات المتعلقة بأوضاع النازحين ومشكلاتهم، لكنّ حدوث انفراجات على طريق حل الأزمة سيؤدي تلقائياً إلى تلمس جوانب ذلك الخطر.

المشكلة السكانية المنتظرة، التي تؤرق اليوم المختصين بالدراسات السكانية والاقتصادية، أساسها ليس فقط اتجاهات النزوح الداخلي وتوزعه الجغرافي العشوائي وحجمه، بل كذلك مستقبل المناطق «المصدرة» للنزوح، وقدرتها على استعادة زخمها السكاني السابق، ولا سيما أن معظم هذه المناطق بمساكنها ومواردها وبناها التحتية أصبحت مدمرة بنسب متباينة.


الخريطة الجديدة
تعترف الحكومة بنزوح ما يزيد على ستة ملايين شخص داخل البلاد، أي ما نسبته 32% من إجمالي عدد السكان، الذي انخفض من نحو 22.5 مليون نسمة قبل الأزمة ليصل إلى نحو 19 مليوناً مع اقتراب الأزمة من إتمام عامها الرابع.
ووفقاً لدراسة خاصة غير منشورة أعدها أستاذ جامعي، فقد تصدرت دمشق وريفها قائمة النزوح، إذ «تجاوز عدد النازحين عتبة 2.2 مليون نسمة، معظمهم من أحياء العاصمة الجنوبية التي كان لها النسبة الأعلى في النزوح بسبب الدمار الواسع الذي طاول تلك الأحياء، ومن مدينة داريا والغوطة الشرقية في كل من دوما وحرستا وجوبر والقابون وبرزة على نحو خاص، التي تعتبر مناطق شبه خالية. أما حمص، فهناك العديد من أحيائها ما زالت تخلو من السكان بشكل كامل، مثل أحياء القصور وبابا عمرو والإنشاءات، التي تدمرت بنحو شبه كامل».

وتشمل القائمة مدن حلب وأريافها، دير الزور، الرقة، درعا، وغيرها من المناطق التي تشهد اشتباكات ومعارك بين الجيش السوري والمجموعات المسلحة. واللافت في ظاهرة النزوح أنه في الوقت الذي فضل فيه كثير من النازحين التوجه نحو مناطق قريبة آمنة داخل المحافظة الواحدة، فضّل آخرون النزوح نحو مناطق خارج محافظاتهم تبعد مئات الكيلومترات عن منازلهم وأحيائهم، الأمر الذي يشير إلى التغير المأساوي العميق في الخريطة السكانية، وإلى صعوبة مهمة استعادة بعض من ملامح التوزع السكاني السابق.
يُظهر توزع النازحين داخلياً بنهاية عام 2013 تصدّر حلب قائمة المناطق التي استقبلت النسبة المئوية الأعلى من النازحين، البالغة نحو 24%، مقارنة بـ 13.4% في ريف دمشق، و12.4% في دير الزور. ويذكر المركز السوري لبحوث السياسات أنه «على الرغم من أن العديد من المناطق في هذه المحافظات غير آمنة، إلا أن دمشق التي تُعَدّ آمنة نسبياً، لم تستضف سوى 1% من النازحين داخلياً، وهذا يشير إلى أن عدداً هائلاً من الأسر انتقل ليقيم في مناطق أكثر أمناً ضمن المحافظة ذاتها...».
وتؤكد بيانات وزارة الإدارة المحلية لعام 2013 أن 3.3% فقط من النازحين داخلياً وجدوا لأنفسهم مأوى في 983 مركز إيواء حكومي، فيما غالبية النازحين اتجهوا للإقامة لدى المجتمعات المضيفة، التي استقبلتهم في مختلف المحافظات.

 

تفاقم المشكلات

وأياً كان موضع ثقل التوزع الجغرافي للنازحين، فإن التغيّر الديموغرافي السريع للخريطة السكانية زاد من حدة المشكلات السكانية التي كانت تواجهها البلاد قبل الأزمة، من قبيل الخلل الجغرافي لتوزع السكان، ضعف الخصائص النوعية للسكان، تضخم المدن الكبرى بنسبة مضاعفة، تباين الكثافة السكانية العامة والمجالية بين المناطق وغيرها. وفي هذا السياق يشير عميد المعهد العالي للدراسات السكانية، الدكتور أكرم القش، إلى أنّ «المؤشرات الأولية تقول إن حركة النزوح تجري ضمن المحافظات نفسها، لكن المشكلة أنه أصبح لدينا تزايد سكاني غير متوقع مقابل قدرة مكانية محدودة، وهذا ما سبّب ضغطاً كبيراً على الخدمات، سواء الفردية أو الأسرية أو الحكومية».
ويمكن بسهولة ملاحظة معالم الضغط السكاني المتأتي من ظاهرة النزوح من خلال تتبع حركة الطلب الهائل على الإيجارات، واضطرار عائلات كثيرة إلى الإقامة في شقق غير مكتملة الإكساء أو استخدام المحالّ التجارية كمأوى مؤقت، إضافة إلى الازدحام الكثيف على مرافق الخدمات العامة. لذلك، كان من الطبيعي مثلاً أن ترتبط معدلات استجرار المناطق للطاقة الكهربائية بمستويات تدفق النازحين لهذه المدينة أو تلك المنطقة، وتكشف هنا وزارة الكهرباء لـ«الأخبار» عن قائمة تضمّ «المناطق التي تشهد استجراراً للطاقة الكهربائية أكثر من غيرها نتيجة نزوح العائلات تحت ضغط العمليات الإرهابية». ومن هذه المناطق مدن بالكامل مثل: دمشق، اللاذقية، السويداء، طرطوس، حماه، وإدلب. ومدن أخرى بشكل جزئي تبعاً للأحياء الآمنة فيها كمدينة حلب التي شهدت استجراراً متزايداً للطاقة في 16 حياً سكنياً فيها، 17 حياً في مدينة حمص، و3 أحياء في دير الزور. أما في المناطق الريفية، فقد أُحصي نحو 32 منطقة في ريف دمشق، 13 منطقة في ريف درعا، و38 منطقة في ريف حمص، وغيرها.
ولظاهرة تضخم المدن، التي تبين التقديرات أن نسبتها وصلت إلى أكثر من 10% مقارنة بنحو 5% قبل الأزمة، مدلولاتها في رأي الدكتور القش، الذي رأى أنّ صعوبة الحركة بين المدينة والريف خلال فترة الأحداث «زادت من الضغط على المدن الكبرى، التي كانت تستوعب أساساً أكثر من إمكاناتها، الأمر الذي أفسح المجال أمام ارتفاع الأسعار، وممارسة الاحتكار على أبسط الاحتياجات اليومية للسكان، إضافة إلى الطلب المتزايد على الخدمات العامة، الذي يفوق غالباً إمكانات المؤسسات المعنية بتقديمها». وهو ما انعكس سلباً على استمرار تدني المستوى المعيشي لشريحة واسعة من النازحين، حرمان الكثيرين الخدمات الأساسية، وتأثر أوضاعه.

 

المصدر: الأخبار