افتتاحية قاسيون 1280: من دروس الفيضان...

افتتاحية قاسيون 1280: من دروس الفيضان...

بين الدروس والاستنتاجات التي يطرحها فيضان نهر الفرات، وآثاره الكارثية التي لم تتكشف بشكل كامل بعد، ما يلي:

أولاً: الفيضان مؤشرٌ ودليلٌ واضح على حجم الإهمال والتهميش المتراكم عبر عقود، للمنطقة الشمالية الشرقية في سورية؛ فلطالما كانت المنطقة مصدراً أساسياً لثروات البلاد، من نفط وقمح وقطن وغير ذلك، ولطالما كانت هي نفسها، بين أكثر مناطق البلاد فقراً وتهميشاً وضعفاً يصل حدّ الانعدام بالتنمية، وفي كل المجالات على الإطلاق، وعلى رأسها التنمية الاقتصادية، والصحية، والتعليمية.

ثانياً: هذا الإهمال ما يزال مستمراً بعد سقوط سلطة الأسد، بل ويمكن القول: إنه سار خطوات إضافية للأمام؛ ابتداءً برفع الدعم عن كل ما يتعلق بالزراعة، من محروقات وبذار وأسمدة ومبيدات... ومروراً بإهمال القطاع الصحي بمختلف فروعه، وليس انتهاءً بتسعيرة القمح التي باتت تغطي بعد «المكافأة» تكلفة الزراعة البعلية، ولكنها ما تزال أقل بكثير من تكلفة زراعة القمح بالري (وفقاً لإحصاءات قديمة، قبل 2011، إذ لا توجد إحصاءات جديدة، فإن زراعة القمح بالري تشغل 43% من إجمالي مساحة زراعة القمح، ولكن تنتج حوالي 70% من إجمالي إنتاج القمح في البلاد، في حين تشغل الزراعة البعلية 57% وتنتج حوالي 30% من الإجمالي).

ثالثاً: يصبح الإهمال والتهميش أشد وطأة حين يقترن بضعف الكفاءة العلمية في التعامل مع الكوارث، هذا الضعف الذي يمكنه أن يحول نعمة موسم مطير إلى نقمة، وهو ما ظهر جلياً، وعبّر بصورة جديدة عن الثمن الباهظ الذي يمكن أن تدفعه البلاد نتيجة اعتماد سياسة تقوم على تقديم الولاء السياسي على الكفاءة المهنية، وتقوم على محاولة احتكار كل شيء في البلاد والتحكم به بعيداً عن أي مشاركة حقيقية للناس، وبعيداً عن الاستفادة من الكم الهائل من الكفاءات السورية داخل البلاد وخارجها، والتي جرى ويجري تهميشها بشكل متعاظم.

رابعاً: أحد جوانب كارثة الفيضان، هو السياسة التركية تجاه النهر، والتي حرمت البلاد لسنوات متتالية من جزء مهم من نصيبها المائي من النهر، بحجة الخصومة السياسية، وحين فاض النهر عملت على تجنب وقوع الكارثة عندها بإزاحتها جنوباً. وهو ما يعكس من جهة الضعف الذي كانت وما تزال سورية تعانيه في علاقاتها مع دول الإقليم، ومن جهة أخرى يعكس ضرورة تحويل النهر العظيم الذي يربط بين دول الإقليم إلى شريان حياة مشترك، حياة تُبنى على التعاون والتآخي وتكامل المصالح بين بلدان الشرق العظيم بأسره، مع الحفاظ على سيادة الدول واستقلالها وسيادة شعوبها.

إضافة إلى كل الحلول العاجلة المطلوبة، وبينها التفاوض مع الجانب التركي لمحاولة تقليل حجم الكارثة المحدقة، فإن الحل الشامل كان وما يزال متمثلاً ببناء دولة حقيقية قائمة على المشاركة الحقيقية للناس، وتعمل لمصلحتهم، وتبني اقتصاداً إنتاجياً صناعياً وزراعياً، وليس اقتصاد أبهة واستعراضات سياحية ومناورات سياسية. 

سؤال النموذج الاقتصادي المطلوب لسورية، لم يعد مجرد سؤال عن التوجه الاقتصادي، بل هو سؤال وجودي اليوم بالنسبة لسورية... هل سيكون اقتصادنا بخدمة 90% من السوريين وأكثر الذين يقعون تحت خط الفقر، أم أنه سيكون اقتصاداً في خدمة أصحاب البدلات الرسمية والمنتفعين وأصحاب النفوذ؟

وإجابة هذا السؤال ليست اقتصادية بحتة، بل إن جوهرها سياسي؛ فالسياسة في نهاية المطاف هي تكثيف للاقتصاد، والاقتصاد الذي يخدم 90% من السوريين، ينبغي أن يبنى على سياسة يشارك في صنعها هؤلاء الـ 90%... ما يعني أن الحاجة للتغيير الجذري الشامل، هي اليوم حاجة وجودية لإيقاف الانحدار نحو الهاوية، ولفتح الأفق نحو البناء مجدداً.

المدخل كان وما يزال بحكومة وحدة وطنية شاملة تضم التيارات السياسية والاجتماعية الأساسية في البلاد، وتستفيد من خبراتها وكفاءاتها الكبرى التي يجري إبعادها لاعتبارات سياسية ضيقة الأفق... والمدخل أيضاً هو المؤتمر الوطني العام الشامل كامل الصلاحيات الذي يقرر من خلاله السوريون مصيرهم ومصير دولتهم بأنفسهم...

(English Version)

معلومات إضافية

العدد رقم:
1280