افتتاحية قاسيون 1264: حاصر حصارك... طوق الطوق!
تعيش منطقتنا بأسرها، حالة ترقب لاحتمال حرب أمريكية-«إسرائيلية» جديدة ضد إيران، لأن حرباً كتلك، ستؤثر بالضرورة، على كل دول وشعوب المنطقة، أياً تكن نتائجها.
مؤشرات الأيام الأخيرة، بما في ذلك المواقف التي عبرت عنها دول الخليج العربي، والسعودية خاصة، إضافة لمواقف مصر وتركيا وباكستان، والحديث المتصاعد عن «مفاوضات إيجابية»، تدل على أن احتمال الحرب بات أقل حضوراً وأكثر تعقيداً، مع عدم نفي احتمال وقوعها.
ما يحتاج إلى تفكير ومحاولة فهم، ليست المؤشرات الآنية لبورصة الحرب، بين ارتفاع وانخفاض، وإنما التحولات الجارية في الإقليم ككل، وعلاقتها بالتحولات الدولية الكبرى.
إن الاتجاه الواضح بما يخص التوازنات الدولية، هو أن الولايات المتحدة ومعها الغرب ككل، تعيش حالة تراجع مستمرة ومتصاعدة (وليست قضية إبستين في هذا السياق إلا أحد مؤشرات التفسخ والانقسام الداخلي).
حالة التراجع هذه، بدأت تجد ترجماتها في التموضعات الإقليمية الجديدة، ليس اليوم، وإنما ابتداء من 5 إلى 10 سنوات مضت، بشكل أوضح فأوضح؛ ابتداءً من التسوية السعودية الإيرانية بوساطة صينية، ومروراً بجملة المصالحات بين دول الخليج العربي ومصر من جهة، وتركيا من جهة ثانية، ووصولاً إلى ارتفاع مستوى التنسيق على كل الصعد بين ما بات يمكن تسميته بـ«التحالف الخماسي» الذي يضم كلاً من (السعودية، مصر، تركيا، إيران، باكستان)، وفي الخلفية هنالك الصين وروسيا.
السلوك العملي لهذا التحالف بدأ بالتعبير عن نفسه على الأرض بشكل ملموس؛ من اليمن إلى السودان إلى الصومال، وحتى إلى سورية نفسها، والاتجاه العام المشترك هو العمل ضد التخريب «الإسرائيلي»-الأمريكي، الذي يستهدف الدول الإقليمية الكبرى الخمس التي تشكل التحالف...
التهديد المشترك هو ما يدفع هذه الدول للتقارب بشكل أكبر وأسرع، وخاصة تهديد المركز الصهيوني العالمي، باستخدام الأداة «الإسرائيلية»، وبالتوافق مع التيار العولمي ضمن النخبة الغربية. بكلام آخر، فإن «مشروع الشرق الأوسط الجديد» هو ما يوحد هذه الدول ضده، لأنها ببساطة ووضوح، مستهدفة كلها بهذا المشروع؛ مستهدفة بالتفتيت والتقسيم والتفجير الداخلي، وباستخدام الفوالق القومية والدينية والطائفية.
لطالما تمت تسمية الدول المتاخمة لفلسطين المحتلة، بـ«دول الطوق»، والحق أن هذه الدول شهدت خلال أكثر من نصف قرن، عملية تخريب وتدمير ممنهج أنهكتها وأوصلتها إلى حافة الانهيار الشامل، بما في ذلك ككيانات جغرافية سياسية موحدة، وبفعل الأمريكي والصهيوني، وبالتعاون مع أنظمة فاسدة وقمعية حكمتها.
النظر إلى ما نسميه دول التحالف الخماسي على الخارطة، يوضح أن هنالك طوقاً حول دول الطوق، يتشكل ويتبلور بشكل ملموس، محققاً الاستشراف الشعري في «حاصر حصارك»؛ فالمنظومة الإقليمية الجديدة، تجمعها مهمتان وجوديتان واضحتان:
أولاً: إعادة التموضع دولياً بعيداً عن الغرب المتراجع، وأقرب إلى الدول الكبرى الصاعدة.
ثانياً: تقطيع أذرع «إسرائيل» في المنطقة، لقطع الطريق على تفجير بلدان الإقليم من الداخل، وعبر حل المسائل العالقة المختلفة في إطار حلول سياسية توافقية تبنى على الأُخوّة والتعاون بين شعوب المنطقة ودولها.
في سورية، فإن علينا أن نفهم هذه التحولات جيداً، وأن نفهم في القلب منها أن مستقبلاً موحداً ومستقراً ومزدهراً لسورية، يمر عبر طريق واحد لا بديل له:
أولاً: حماية الاستقلال الوطني وضمان السيادة، وعدم الركون للأمريكي وأكاذيبه بحالٍ من الأحوال، وعدم الثقة به أيّاً تكن التصريحات التي يطلقها.
ثانياً: الاستفادة من التحالفات الدولية والإقليمية الجديدة، وتوظيفها بما يخدم البلاد ووحدتها ووحدة شعبها.
ثالثاً: نزع فتائل التقسيم والتفجير عبر الركون إلى الحلول السياسية الشاملة المبنية على التوافق بين السوريين، كل السوريين، بعيداً عن منطق الغلبة والاستقواء العسكري، وعبر مؤتمر وطني عام شامل وكامل الصلاحيات.
رابعاً: التحول الجذري في طريقة إدارة الاقتصاد في البلاد، بعيداً عن وصفات صندوق النقد والبنك الدوليين، أي بعيداً عن الطريقة التي كان يدير بها بشار الأسد البلاد، وباتجاه سياسة مختلفة جذرياً تصب في مصلحة 90% من السوريين الذين يعيشون تحت خط الفقر...
(English Version)
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1264