افتتاحية قاسيون 1260: «الكسب غير المشروع» والعدالة الانتقالية!

افتتاحية قاسيون 1260: «الكسب غير المشروع» والعدالة الانتقالية!

أثار الاتفاق الذي وقعه محمد حمشو يوم الأربعاء الماضي، 7 كانون الثاني 2026، مع «اللجنة الوطنية لمكافحة الكسب غير المشروع»، استياءً واسعاً ومحقاً في الشارع السوري، حيث ظهر الاتفاق تبريراً وشرعنة لـ«الكسب غير المشروع»، بدلاً من مكافحته!

 

خطورة هذا الاتفاق لا تتعلق بحمشو وحده، بل تتعلق بالعقلية الإجمالية التي يدار ضمنها الشأن السياسي والاقتصادي في البلاد، والذي يمكن أن نسجل ضمنه النقاط التالية:

أولاً: تتجه السلطات القائمة اقتصادياً نحو تبنٍ كامل للسياسات الليبرالية التي كانت متبعة في عهد الأسد، منذ 2005 بشكل واضح؛ أي السياسات التي تتمركز حول تقليص دور جهاز الدولة لمصلحة رؤوس الأموال والحيتان الكبار، وإنهاء الدعم الاقتصادي، وخصخصة القطاعات السيادية، وفرض سياسات تقشفية، ورفع أسعار كل الخدمات على الإطلاق... هذه السياسات بمجملها لها اسم مراوغ معروف أطلقه كل من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي هو «الإصلاح الهيكلي»، الذي نجح في كل دولة تم تطبيقه فيها؛ نجح في تعظيم نسب الفقر، وفي رفع درجات التوتر الاجتماعي، وفي إضعاف الدول، وقتل الإنتاج الحقيقي فيها لمصلحة الخدمات والريع، ورفع مستويات القمع السياسي للحفاظ على النهب، وصولاً إلى تفجيرها من الداخل.

ثانياً: جوهر أي نظام سياسي في أي دولة من دول العالم، ليس القبعة الأيديولوجية التي يرتديها، سواء كانت قومية أو يسارية أو إسلامية أو غير ذلك... جوهر أي نظام هي طريقة توزيع الثروة داخل البلاد؛ فحين يكون توزيع الثروة في بلد من البلدان هو لمصلحة 10% من السكان ضد 90% منهم، فالنظام يكون معبراً عن مصالح الـ 10% وضد مصلحة الـ 90%، وذلك بغض النظر عن شكله وأيديولوجيته، وبهذا المعنى، ورغم أهمية سقوط سلطة الأسد بالمعنى التاريخي، إلا أن عملية بناء نظام جديد ما تزال في أول خطوة من خطواتها؛ فنحن نعيش حتى اليوم في ظل نظام توزيع الثروة الجائر الذي أرساه الأسد... وللناس كل الحق أن تتوجس وتستاء حين ترى شبحاً من أشباح الماضي بنهبه وقمعه، ماثلاً أمامها مغسولاً من ذنوبه، ويريد المشاركة في «بناء» الحاضر والمستقبل!

ثالثاً: الاتفاق مع حمشو، يلقي ضوءاً كثيفاً أيضاً على طريقة فهم وتطبيق فكرة «العدالة الانتقالية»... فالعدالة هنا لا تعني فقط الجانب الجنائي والسياسي العام، وجرائم القتل والاعتقال التي ارتكبت بحق السوريين، ولكن تعني أيضاً عمليات النهب التاريخي المتراكم التي كانت تقتلهم كل يوم وكل ساعة... في جيوب حمشو وأمثاله، يتراكم العرق والتعب المسروق من ملايين السوريين عبر عشرات السنين، في جيوبهم تتراكم آهات وآلام السوريين الذين ناضلوا بشكل يومي عبر عقود متتالية فقط، ليبقوا على قيد الحياة وليطعموا أولادهم... وإذا أردنا رسم صورة مجازية، فإن حمشو وأمثاله قد سرقوا عشرات ومئات مليارات ساعات العمل من السوريين عبر عقود متتالية، وكأنما الشعب السوري العامل كان محبوساً في سجنهم طوال عقود، ويعمل لديهم بالسخرة تقريباً، فقط كي يضخموا ثرواتهم من عرقه وتعبه...

إن تأمين موارد حقيقية للدولة ممكن في حال غيرنا منطق التفكير بشكل جذري، غيرناه عبر تغيير النموذج الاقتصادي الاجتماعي القائم، باتجاه نموذج إنتاجي حقيقي يعتمد على الميزات المطلقة في الاقتصاد السوري، وينطلق من إعادة توزيع حقيقية للثروة، لمصلحة عموم السوريين... دون ذلك، فإننا نكون على طريق إعادة إنتاج النظام السابق نفسه، عبر أشكال جديدة، بل وربما عبر استحضار أشباح من الماضي أيضاً، من طراز حمشو...

(English Version)

معلومات إضافية

العدد رقم:
1260
آخر تعديل على الأحد, 11 كانون2/يناير 2026 18:00