افتتاحية قاسيون 1165: كيف نواجه خطر التفتيت؟

افتتاحية قاسيون 1165: كيف نواجه خطر التفتيت؟

يحدق بسورية- ضمن الظروف التي مرّت وتمر بها - خطر التفتيت بوصفه خطراً جدّياً وواقعيّاً؛ ينمو هذا الخطر بفعل استطالة عمر الأزمة، وبفعل تقسيم الأمر الواقع، وعملية تجريف الشعب السوري خارج بلاده التي تتعزز بدورها تحت ضغط الأوضاع الاقتصادية المأساوية؛ هذه الأوضاع التي يتحمّل وزرها يداً بيد كلٌّ من العقوبات والحصار الغربي من جهة، والفساد الداخلي والسياسات الليبرالية من جهة ثانية.

إنّ المشروع الذي استهدف ويستهدف سورية، وكما أكدنا مراراً ومنذ سنوات طويلة، يتضمن هدف حدٍّ أعلى، وهدفَ حدٍّ أدنى؛ الأعلى هو إنهاء وجود سورية بشكلٍ كامل، والأدنى هو إنهاء دورها الوظيفي بمعنى تموضعها الجيوسياسي المحدد ضمن الصراع الدولي والإقليمي.

 

ما نراه اليوم هو أنّ هدف الحد الأعلى لم يتحقق، وهدف الحد الأدنى هو الآخر لم يصل إلى نقطة اللاعودة، رغم أنّه قد قطع شوطاً كبيراً جداً في تحققه.

إنّ النضال لاستعادة وحدة سورية ووحدة شعبها، ولإيقاف العمليات السلبية التي تعمل ضد هذه الوحدة، بات متمحوراً حول إخراج سورية من الأزمة الشاملة، وبالقلب منها الأزمة السياسية، وعبر الطريق الوحيد موضوعياً، وهو طريق الحل السياسي المتمثل بتطبيقٍ كاملٍ للقرار 2254 الذي من شأنه أن يفتح الباب للشعب السوري ليقرر مصيره بنفسه، لأنّ الشعب السوري هو من يملك الإرادة السياسية الفعلية لإخراج بلاده من أزمتها، ولإعادة توحيدها، على عكس النخب المتشددة التي أثبتت بكل الأشكال الممكنة أنها مستعدة للقتال حتى آخر قطرة من دم وعرق السوريين، حفاظاً على المصالح الخاصة الضيقة، وبالضد من مصلحة الغالبية الساحقة والمسحوقة من السوريين، أبناء الـ90% المفقرين والمنهوبين، والموزعين في شتى بقاع سورية والعالم، وبين شتى الاصطفافات السياسية المؤقتة القائمة حالياً.

وينبغي في إطار النضال من أجل وحدة سورية، إيلاء انتباه خاصٍّ لمجمل المشاريع التي يلقيها الغرب بوصفها «حلولاًجزئية» أو «حلولاً مؤقتة»؛ من ذلك الحديث عن اللامركزية الذي ينطبق عليه القول إنه كلمة حقّ يراد بها باطل...

المركزية واللامركزية هما أداتان من أدوات تنظيم السلطة والمسؤوليات والصلاحيات والحقوق ضمن البلاد بأسرها، وهما مترابطتان ترابطاً جَدلياً؛ فالمركزية القوية تحتاج للامركزيةٍ قوية، والعكس صحيح. وما يجري الترويج له بشكلٍ مبسط عن قصد عن التعارض بين المركزية واللامركزية، المقصود منه هو التمهيد نحو التفتيت إمّا عبر الإصرار على مركزية مطلقة، أو عبر الإصرار المعاكس على لامركزيةٍ مطلقة...

ومن الأمور الخطرة التي ينبغي الانتباه إليها ضمن هذه الطروحات، هي محاولات ربط فكرة اللامركزية بفكرة «الهويّات المحلّية»، والتي تخرج اللامركزية من دورها المباشر في تمثيل مصالح الناس في المناطق المختلفة بشكل مباشر، وإسهامهم في السلطة، إلى مجال آخر معاكس نهايته تحويل البلاد إلى مجموعة مزارع محلية يتحكم بها الأوصياء على تلك «الهويّات»، سواء كانت قومية أو دينية أو طائفية أو غير ذلك...

ولا ينبغي أن يغيب عن البال أيضاً، أنّ موضوع التفتيت عبر اللامركزية ثم الفَدرلة، وعبر استغلال مسألة العقوبات وطريقة توزيعها تارة، وعبر استخدام موضوع «التعافي المبكر» بشكلٍ انتقائي تارة أخرى، هذا الموضوع ليس إلا جزءاً من مشروع «خطوة مقابل خطوة» الأمريكي في جوهره.

إنّ الدفع باتجاه الحل السياسي على أساس القرار 2254، بما يتطلبه ذلك من تقديم تنازلات من الأطراف المختلفة لمصلحة الشعب السوري، هو الترياق الوحيد الشافي من تفتيتٍ شاملٍ نقترب منه أكثر مع كل يوم تأخير إضافي ضمن الأوضاع المأساوية القائمة...

(English version)

معلومات إضافية

العدد رقم:
1165
آخر تعديل على الإثنين, 11 آذار/مارس 2024 11:17