افتتاحية قاسيون 1154: ما وراء غزة...

افتتاحية قاسيون 1154: ما وراء غزة...

ابتداءً من اللحظة التي أعلن فيها الأمريكان عن لاءاتهم الثلاث، والتي هي: (لا لوقف إطلاق النار، لا لتوسيع الحرب، لا لاجتياح بري واسع)، وذلك بعد أيامٍ قليلة من بدء العدوان الصهيوني على غزة؛ ابتداءً من تلك اللحظة، بات ممكناً التنبؤ بطبيعة الأهداف التي وضعتها واشنطن أمامها، والتنبؤ تالياً بحدود المعارك المطلوبة والخطوط العامة التي ستسعى لإدارتها وفقها.

ولعل أهمّ استنتاج يمكن تثبيته بخصوص الإدارة الأمريكية للمعركة، هو أنّ المعركة المطلوبة أوسع بكثير من حدود قطاع غزة، ومن حدود فلسطين؛ وشعارات «لا لتوسيع الحرب» بالتوازي مع «لا لوقف إطلاق النار»، المقصود منها هو بالضبط: منع حرب مباشرة بين الكيان وعدة دول في المنطقة، بمقابل ضرورة توسيع الحرب على شكل فوضى شاملة تشمل الإقليم بأسره. تبدأ بشكل خاص من مصر، التي يجري تكثيف الضغوط حولها وداخلها من كل الجهات، عسكرياً وسياسياً واقتصادياً وإعلامياً، ليتحول تفجيرها من الداخل إلى صاعق تفجير شاملٍ للمنطقة بأسرها، والتي من الواضح أنّ هدفها التالي مباشرة سيكون السعودية.

في هذا السياق، يمكن فهم التطورات الجارية في السودان مؤخراً، وبداءات توتر جديد في ليبيا، ويمكن أيضاً فهم التحالف الأمريكي الجديد الذي يتذرع بهجمات الحوثيين، ويضع هدفاً معلناً، هو حماية الملاحة في البحر الأحمر، في حين يسعى عملياً إلى إيقاف الملاحة في البحر الأحمر، وهو الأمر الذي يثبته السلوك العملي لشركات الشحن الكبرى الغربية وشركات التأمين البحري.

بما يخص سورية ولبنان، فما يهم الأمريكيين ضمن هذه المعادلة، هو فقط منعهما من إعاقة المخطط الأوسع للفوضى الشاملة، لأنّ هاتين الدولتين قد دخلتا من زمن غير قليل، وإنْ بدرجات متفاوتة، في حالة الفوضى الشاملة، وفي حالة من الشلل الوظيفي.

وأما ما يخص نتنياهو وحكومته، فمصيره ليس مهماً بالنسبة للأمريكيين، ومن الممكن التضحية به في أي وقت، وخاصة إنْ حاول كسر اللاءات الأمريكية بشكلٍ لا رجعة فيه، وهو ما حاول فعله خلال الفترة الماضية وتم لجمه جزئياً، ويمكن أن تتم إزاحته نهائياً إنْ واصل المحاولة.

لكي تتضح الصورة أكثر، ينبغي القول: إنّ المدى الزمني للمخطط الأمريكي في تفجير كامل المنطقة، ليس محصوراً بأسابيع أو أشهر، بل يتطلب فعلياً عدة سنوات. والحرب على غزة، وعلى فلسطين، ضمن هذا المخطط، ليست الغاية النهائية، بل هي أداة في رفع الحرارة ورفع التناقضات في مجمل المنطقة، لتسهيل الوصول إلى الغاية: الفوضى الشاملة.

ولذا يصبح مفهوماً كلام جاك سوليفان، مستشار الأمن القومي الأمريكي، عن «ضرورة الانتقال من طور العمليات العالية الكثافة [في غزة]، إلى طور العمليات منخفضة الكثافة». ما لم يقله سوليفان، ولكن يمكن استنتاجه، هو أنّ الانتقال المطلوب هو نحو شكل عسكريٍ جديد منخفض الكثافة، بالضبط لأنّ المطلوب هو أن يكون طويل الأمد، ولا يمكن أن يكون طويل الأمد دون توسيع رقعة الحرب المباشرة، إلا إذا كان منخفض الكثافة.

المخطط الأمريكي للفوضى الشاملة، بات واضحاً بخطوطه العامة على الأقل، بالنسبة للمتابعين المتعمقين، وسيغدو واضحاً للجميع في آجالٍ غير بعيدة، وحتى لو حصلت تهدئة بهذا القدر أو ذاك في فلسطين، فإنّ الأمريكي سيحرص على ألّا تصل إلى وقفٍ حقيقي شامل لإطلاق النار، وبطبيعة الحال ألّا تصل إلى حلٍ شامل للقضية الفلسطينية، التي بات الوصول إلى حلّها أهم إعلان ملموس غير بعيد عن الانهيار الشامل للمنظومة الأمريكية.

عودٌ على بدء، فإنّ مجمل النشاط الأمريكي اتجاه منطقتنا، هو في حقيقته محاولة للهروب إلى الأمام من أصل وجوهر الأزمة التي تعيشها واشنطن ويعيشها الغرب، الأزمة التي لا يُعبر «التوازن الدولي الجديد» و «التعددية القطبية»، إلّا عن جانب واحد من جوانبها، في حين تكمن في أساسها أزمة شاملة اقتصادية- اجتماعية وجيوسياسية وثقافية؛ أزمة نمط إنتاج متكاملة الأركان، لا حل لها إلا بانهيار الهيمنة الأمريكية، وبانهيار منظومة الاستعمار الحديث بأكملها، وبدءاً بآخر استعمارٍ استيطاني إحلالي عنصري في العالم: الاحتلال «الإسرائيلي».

(English version)

 

معلومات إضافية

العدد رقم:
1154
آخر تعديل على الجمعة, 29 كانون1/ديسمبر 2023 12:43