بريكست: حرب أهلية ضمن الرأسمالية ونحن جميعاً مجرد أضرار جانبية!

بريكست: حرب أهلية ضمن الرأسمالية ونحن جميعاً مجرد أضرار جانبية!

بالنسبة لنوع واحد من الرأسماليين، فإن انعدام الأمن والفوضى التي سيجلبها خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي أمر مرعب. وبالنسبة للأنواع الأخرى، فهو أمر مربح للغاية...

الغارديان- جورج مونبيوت
ترجمة قاسيون

حيث توجد فوضى، فإن الحكومة ستضاعفها. وحيث الناس على حافة الهاوية، فإن الحكومة ستدفعهم للسقوط. تجاهل بوريس جونسون نداءات الشركات والسياسيين في جميع أنحاء المملكة المتحدة- وخاصة في إيرلندا الشمالية- لتمديد عملية انتقال خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. لا تهتموا بالوباء، ولا تشغلوا بالكم بالبطالة والفقر وانعدام الأمن- فلا شيء يجب أن يمنعنا من المضي في التجربة، وفي القفز إلى المجهول؛ سنقفز من المنحدرات البيضاء في الأول من كانون الثاني (يناير)، وليكن ما يكون...

ربما، وبعد استعراضات عديدة لعضلاتها، ستنتهز الحكومة آخر فرصها وتبرم صفقة هذا الأسبوع. إذا كان الأمر كذلك، فسيكون من الصعب توفر أيّ وقت للتنقيح، ومن المرجح عندها أن يتم التعجيل بالاتفاق وصياغته كيفما اتفق. على أية حال، فالآلام قادمة. من المحتمل أن يكون الاضطراب على الحدود محسوساً في جميع أنحاء البلاد.
لذا فإن الأمر يستحق تكرار السؤال الكبير: لماذا نفعل هذا بأنفسنا؟ أعتقد أن الجواب هو: أن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي هو نتيجة حرب أهلية داخل الرأسمالية.

بشكل عام، هناك نوعان من الأشكال السائدة للمشروع الرأسمالي. يمكن وصف الأولى بأنها رأسمالية مقيدة. إنها تسعى إلى التوافق مع الدولة الإدارية، وتستفيد من الاستقرار والقدرة على التنبؤ والأنظمة التي تستبعد المنافسين الأقذر والأقسى. وهذه يمكن أن تتعايش مع شكل مروضٍ وهزيل من الديمقراطية.

أطلس الاستهجان

يمكن وصف الثانية بأنها رأسمالية أمراء الحرب. وهؤلاء يرون أن جميع القيود المفروضة على التراكم- بما في ذلك الضرائب واللوائح والملكية العامة للخدمات الأساسية- غير شرعية. لا ينبغي السماح لأي شيء أن يقف في طريق جني الأرباح. وقد صاغ فريدريك هايك إيديولوجيتها التبريرية في «دستور الحرية- The Constitution of Liberty»، وآين راند في «أطلس الاستهجان- Atlas Shrugged». يكنس هذان الكتابان جانباً التعقيد الاجتماعي ومصالح الآخرين. إنهما يخلقان صنماً يسميانه «الحرية»، والذي تبين أنه يعني: الحرية الكاملة للأثرياء، على حساب المجتمع.

في الأوقات التي تغيب فيها الرقابة، فإنّ أمراء الحرب وأنصارهم يمضون حتى النهاية. هايك، على سبيل المثال (المقصود هو فريدريك هايك المنظر الاقتصادي النمساوي- البريطاني)، في زيارة إلى بينوشيه في تشيلي، قال: إنه يفضل «ديكتاتورية ليبرالية» على «حكومة ديمقراطية خالية من الليبرالية». اعترف بيتر ثيل، الشريك المؤسس لـ PayPal وPalantir: «لم أعد أعتقد أن الحرية والديمقراطية متوافقتان». في الشهر الماضي، ادعى مايك لي، عضو مجلس الشيوخ الجمهوري عن ولاية يوتاه، أن «الديمقراطية ليست هدفاً» للنظام السياسي الأمريكي، و«الحرية والسلام والازدهار هي الهدف».

يمثل خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي فرصة مذهلة لرأسمالية أمراء الحرب. إنها فرصة ليست فقط لتمزيق قواعد محددة، وهو ما تهدف إليه صراحةً، ولكن أيضاً لهدم الهدنة غير المستقرة بين الرأسمالية والديمقراطية، التي بموجبها يتم إنشاء وفرض الحماية العامة بشكل عام. على حد تعبير ستيف بانون، فإنه يتيح «تفكيك الدولة الإدارية». الفوضى ليست تهديداً ولكنها فرصة لأمراء الحرب الماليين. أوضح بيتر هارجريفز، الملياردير الذي تبرع بمبلغ 3,2 مليون جنيه إسترليني لحملة Lea.EU، أنه بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي: «سنخرج، وسنكون ناجحين بشكل لا يصدق لأننا سنكون غير آمنين مرة أخرى. وانعدام الأمن أمر رائع».

رأسمالية أمراء الحروب

والفوضى التي من المرجح أن تسببها (رأسمالية أمراء الحروب) سيتم استخدامها كمبرر لهذا النوع من الرأسمالية بالذات: الأوقات صعبة، لذلك يجب علينا خفض اللوائح والتعديلات (بمعنى المكتسبات الاجتماعية) وتحرير الأعمال لنعود أغنياء مرة أخرى. ستسعى حكومة جونسون إلى استخدام خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي دون صفقة، أو دون صفقة محددة، لتدمير بعض القيود على الأقل على أكثر أشكال الرأسمالية توحشاً.

إن الرأسماليين المقيدين في منازلهم مرعوبون من خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. فالخروج لن يثبط النشاط الاقتصادي بشكل عام فحسب، بل إنه يهدد بتدمير ميزة السوق للشركات التي تلتزم بالقواعد. دون قيود تنظيمية، فإنّ أمراء الحرب سيلتهمونها، مثل: المؤسسات الرأسمالية المهيبة الأخرى، حذّر اتحاد الصناعة البريطاني من أن مغادرة أوروبا قد تتسبب في صدمة اقتصادية كبيرة وفي دمار للأعمال. رداً على هذه المخاوف، أدلى جونسون، عندما كان وزيراً للخارجية، بتصريح ربما كان يبدو في السابق غير وارد، قادم من فم أحد كبار المحافظين، «اللعنة على الأعمال».

مفارقة التلوث

حكومة جونسون هي المثال على ما يشتريه أمراء الحرب الماليين. يمكن اعتبارها تعبيراً مثالياً عن «مفارقة التلوث»، وهو مفهوم أعتقد أنه ضروري لفهم سياستنا. ما يعنيه هذا هو أنه كلما كان المشروع أكثر قذارة أو ضرراً، زاد المال الذي يجب أن ينفقه على الساسة لضمان عدم اجتثاثه. ونتيجة لذلك، فإن التمويل السياسي مهيمنٌ عليه أكثر من الشركات والنخب المالية الأكثر ضرراً، والتي تمارس بعد ذلك تأثيراً سياسياً أكبر. إنهم يزاحمون منافسيهم.

الأمر لا يتعلق فقط بالتلوث. تشمل الأعمال القذرة المهتمة بشراء النتائج السياسية: البنوكَ التي تطور أدوات مالية غريبة؛ تجار العقارات الذين يستاؤون من قوانين التخطيط؛ شركات الأطعمة السريعة، أرباب العمل الذين يسعون إلى تدمير حقوق العمل؛ والأثرياء الذين يأملون في تجنب الضرائب. لهذا السبب لن تكون لدينا ديمقراطية سليمة دون إصلاح جذري لتمويل الحملات الانتخابية.

أصحاب الصحف

في ضوء ذلك، فإن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي يكاد لا يتعلق نهائياً بالمملكة المتحدة نفسها. القلة الذين أبدوا اهتماماً كبيراً بالموضوع يميلون إلى أن تكون لديهم روابط ضعيفة، أو غير كاملة مع هذا البلد. وفقاً لـ Andy Wigmore من شركة Lea.EU، ساعد الملياردير الأمريكي روبرت ميرسر في الحملة. إلى حد بعيد فإنّ أكبر المتبرعين الفرديين لحزب بريكست هم كريستوفر هاربورن، المقيم في تايلاند، وجيريمي هوسكينج، الذي لديه أعمال مدرجة في دبلن وديلاوير. أصحاب الصحف الذين بذلوا مثل هذه الجهود لإنجاز خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي يقيمون في الخارج. بالنسبة لأشخاص، مثل: روبرت مردوخ، أعتقد أن المملكة المتحدة هي رأس جسر بين أغنى وأقوى الدول. إن تحويل تشيلي أو إندونيسيا إلى ميناء حر عملاق هو شيء قيّم لهؤلاء بالتأكيد، لكن الفوز بالمملكة المتحدة فوز أكبر بكثير.

لا شيء مما ذكرته هنا، قيل لنا إنّه ما نصوت عليه (في استفتاء بريكست). أرى أنّ نايجل فاراج والمفرقعات المماثلة ليست أكثر من مجرد قنابل دخان، تخلق سحابة مموهة من كراهية الأجانب والحروب الثقافية. الحيلة المستمرة للسياسة الحديثة- التي يبدو أنها تخدعنا بشكل متكرر- هي إخفاء المصالح الاقتصادية والسياسية في لبوس حركات ثقافية. طوال هذه القصة، فإنّ وسائل الإعلام حدّثتنا عن الستار الدخاني، وليس عن المناورات الفعلية.

معركة بين النخب المتنافسة

أية تهمة للنخب المالية من قبيل ما نقول، كان سيرد عليها في حملة ممولة من أمثال: ديفيد سينسبري، ومورجان ستانلي، وجولدمان ساكس. عندما زعم دومينيك كامينغز وآخرون في حملة بريكست أنهم يقاتلون «النخبة»، كانوا على حق جزئياً. من حيث التمويل، كانت هذه معركة بين النخب المتنافسة. لذا فإن الباقين، الذين تعرضوا لخطر قاتل بسبب الأموال التي أخذوها، أصبحوا محاصرين في حرب ثقافية كان من المحتم أن يخسروها، حرب لمواجهة كراهية الأجانب، ولعرض ملاحظات تافهة حول فوائد الاندماج. لقد فشلوا في الوصول إلى قلب الموضوع.

من المرجح أن يضر خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي- الذي يسير في أعقاب الوباء- بحياة وحريات ملايين الأشخاص في المملكة المتحدة. لكن الأمر لا يتعلق بنا. لقد وقعنا للتو في مرمى نيران الحرب الأهلية للرأسمالية.

24/11/2020*

معلومات إضافية

العدد رقم:
994