ما الذي تفعله إدارة أوباما في أسابيعها الأخيرة؟

ما الذي تفعله إدارة أوباما في أسابيعها الأخيرة؟

دخلت إدارة أوباما منذ 8-9 من الشهر الجاري، لحظة إعلان فوز دونالد ترامب بالانتخابات الرئاسية الأمريكية، حالة من النشاط المحموم، الداخلي والخارجي. نشاط لا يمت بأية صلة للـ«البطة العرجاء»! فما الذي يكمن وراءه؟

من بين النشاطات العديدة التي تقوم بها الإدارة يمكن أن نذكر:

وزارة الخزانة الأمريكية توسع العقوبات على روسيا يوم الرابع عشر من الجاري، عبر ضم ستة أسماء جديدة إلى قائمة «المعاقبين»، هم ستة نواب في مجلس الدوما الروسي.

نائب الرئيس الأمريكي جوزيف بايدن، يبحث مع الرئيس الأوكراني بيترو بوروشينكو، خلال اتصال هاتفي يوم 18 من الجاري، مسألة تمديد العقوبات بحق روسيا وجهود الوفاء باتفاقات مينسك.

جولة أوروبية أخيرة لأوباما، ربما يكون العنوانان الأبرز فيها، هما: حشد الأوروبيين وطمأنة من يلزم منهم، وشحنهم وتثبيت مواقفهم في مواجهة روسيا عبر فرض العقوبات عليها. العنوان الثاني، هو: تأكيد ثبات الناتو وإمكانيات توسعه.. وكلمة أوباما في مؤتمره الصحفي مع ميركل تكثف هذين العنوانين.

المراوحة في المكان، في محاربة الإرهاب، في كل من سورية والعراق، مصحوباً بإعلانات دورية عن عمليات كبرى في الرقة والموصل، يبدو أنّ الهدف منها لا تحريرهما فعلاً، بل رفع الحرج من جهة، وتجهيز أرضية خلاف وصراع عميق على أسس قومية بين شعوب المنطقة، أملاً في إيصال الأمور إلى مستوى الصدام الدموي المباشر، بما ينجي داعش ويعززها بعامل تفجير إضافي، ربما يكون أكثر خطورة منها.

في الداخل الأمريكي، تدعم إدارة أوباما بشكل هائل، التحركات الاحتجاجية ضد ترامب بأشكالها المختلفة.

عدواني وواقعي!

إنّ من الصعوبة بمكان، تحديد (من يمثل من؟) داخل اللعبة الأمريكية. رغم ذلك فإنّ الأساس يبقى أن خيارين استراتيجيين لا ثالث لهما أمام أية إدارة جديدة: فإما الاستمرار بالنهج العدواني وتكريسه بل وتصعيده، رفضاً لواقع ميزان القوى الدولي الجديد وعملاً على إرجاعه القهقرى، أو تبني خيار واقعي وسياسة واقعية تعترف بالميزان الجديد وتبدأ بالانكفاء والتكيف..

صعوبات التحديد

قبل الدخول في محاولات تحديد (من يمثل من؟)، بمعنى من يمثل العدواني ومن يمثل الواقعي ضمن الانقسام الأمريكي الظاهر على السطح، ينبغي تثبيت جملة من النقاط التي لا يجوز تجاوزها ضمن أية محاولة للتحديد:

إذا كانت النخبة الأمريكية بأسرها خاسرة في الحالتين (استمرار العدوانية أو الانكفاء نحو الداخل)، فإنّ خسارة جزء منها ستكون هائلة مقارنة بخسارة الجزء الأخر في حال تم تبني خيار الانكفاء.. ذلك الجزء هو ما يمكن تسميته برأس المال المالي الإجرامي.

تزداد المسألة تعقيداً حين نعلم أنّ رأس المال المالي الإجرامي، ليس الوحيد في رفض الانكفاء، فهنالك شركاؤه الذين اختلطت أمواله بأموالهم ومصالحه بمصالحهم. فإن كان ماله «أسوداً»، فإنّه اختلط بعمق بعد 2008، بالمال «الأبيض» للبنوك، وللمضاربين الكبار من فئة جورج سوروس. والبنوك والمضاربون هم المسيطرون الأساسيون على الإعلام الجماهيري، الذي صُدِمَ بفوز ترامب، والذي يشجع اليوم الاحتجاجات ضده، ويذهب قسم منه لتسميتها «ثورة بنفسجية» على غرار الثورات الملونة التي قادها الفريق الإعلامي ذاته!

هنالك شكل أخر من الانقسام الداخلي ضمن النخبة الأمريكية، يستند إليه بعض الباحثين من أمثال د. ميشيل تشوسودوفسكي مدير مركز أبحاث العولمة، ونعوم تشومسكي، الغني عن التعريف، وهو الانقسام المرتبط بطبيعة العلاقة مع العملية الإنتاجية. وهنالك حسب هذا التصنيف قطاعات أساسية كبرى: (المجمع الصناعي العسكري، احتكارات النفط والغاز والفحم «ودونالد محسوب عليها حسب تشومسكي»، والبنوك الكبرى، وما تديره من نشاطات ذات طابع مضاربي وخدمي وعقاري، وقطاع التكنولوجيا المدنية). ولكّن هذا التصنيف يسقط من الحساب ثلاثة عوامل أساسية (والحقيقة أنها أكثر من ذلك): الأول هو: مدى التداخل والترابط والتشابك الهائل بين رأس المال المالي (عديم الهوية الإنتاجية)، وبين رؤوس الأموال الإنتاجية من الأنواع المختلفة. والثاني هو مدى التداخل بين رأس المال المالي، ورأس المال المالي الإجرامي. والثالث هو: علاقة رؤوس الأموال هذه، بأنواعها جميعها، بموقع الولايات المتحدة العالمي، وبموقع دولارها.

إن أول ما ينتج من الكلام السابق، هو: احتمال أنّ يكون وزن أصحاب الخيار العدواني ضمن النخبة الأمريكية، أعلى من وزن أصحاب الخيار الواقعي. وأما ثاني نتيجة فهي أن أصحاب الخيارين عابرون للحزبين الأساسيين، ولرؤوس الأموال على أنواعها، رغم أنّ مركز العدوانية يبقى عند رأس المال المالي الإجرامي، تليه البنوك الكبرى. وربما يكون الأقل عدوانية بهذا المعنى، هو: قطاع الإنتاج التكنولوجي المدني. 

النتيجة الثالثة، هي: أنّ إدارة أوباما، وهيلاري كلينتون ضمناً، وبدعم وازن من أقطاب داخل الحزب الجمهوري، قد أسفرت عن وجه عدواني واضح اعتباراً من الثامن من الجاري. وهذا القول، لا يعني أنها كانت عدوانية صافية طوال الوقت، بل كانت توازناً بين العدواني والواقعي، ولكنها اليوم وتحت ضغط الوقت، وضغط عمق الأزمة والتحولات التي تنذر بها، قد خضعت كلياً للتيار العدواني. وللتذكير مرة أخرى، فإنّ هذا لا يعني مطلقاً أن ترامب بات ممثلاً للواقعية، ولكنّه يعني بالضبط أنّ ترامب بات أمام واحد من خيارين، إما أن يتمثل سياسات التيار العدواني، تحت الابتزاز والتهديد بتحويل الولايات المتحدة إلى ساحة حريق لصراع قومي وعرقي، بل وحتى التهديد بالقتل (الذي وضحت جديته مقالة نشرت مؤخراً في موقع غلوبال ريسيرتش بعنوان: Post Election Chaos, Trump Presidency Under Siege)، أو أن يتبنى الخيار الواقعي مجنداً أقساماً واسعة من الشعب الأمريكي للدفاع عن خياره، ومستعيناً بالدول الصاعدة وفي مقدمتها روسيا والصين.

لا يفوتنا التذكير هنا، بأنّ سياسات الإدارات الأمريكية الحالية والسابقة واللاحقة، هي محصلة التوازن بين هذين التيارين، واللذين يتأثر وزنهما بدوره، بواقع الميزان الدولي الجديد، وبواقع الوضع الأمريكي الداخلي المتأزم. يضاف إلى ذلك أن الصراع القائم لا يعكس فقط صراع أجنحة وقوى ضمن أمريكا، وإنما هو في جانب منه تعبير عن سير شكل إنتاج السلطة والإدارة، في الولايات المتحدة موضوعياً نحو الزوال.

ربما يكون السيناريو الأقرب للتصور (في حال بقي دونالد رئيساً) هو خيار مركب بين العدواني والواقعي، وأقرب إلى الواقعي (من الملفت في هذا السياق أنّ أوباما في مؤتمره المشترك مع ميركل قد حذر ترامب حرفياً من تبني «الواقعية السياسية» في التعامل مع روسيا).

 

محصلة..

يمكن القول تلخيصاً، إنّ إدارة أوباما، ومن خلفها التيار العدواني، تسعى في أيامها الأخيرة لوضع الإدارة القادمة ضمن وضع محدد له الإحداثيات التالية:

1- وضع داخلي شديد التأزم، مع احتمالات انفجار واقتتال دموي كبير.

2- علاقات دولية شديدة السوء مع روسيا والصين، بحيث يغدو من الصعب إصلاحها ضمن أجال قريبة.

3- وضع أوروبي قلق ومتفجر، يمنع إمكانيات التقارب مع روسيا، ويمنع «واقعيي» أوروبا من الوصول إلى السلطة.

4- وضع متفجر قومياً في منطقتنا، يحوّل مهمة القضاء على داعش إلى مهمة شديدة الصعوبة.

والهدف من هذا الوضع المعقد، هو: منع ميزان القوى الدولي الجديد من الظهور عبر تكريس الخيار الفاشي في أمريكا أولاً، وفي أوروبا ثانياً. وهو الهدف الذي نعتقد أنّ حظوظ نجاحه ضئيلة، وتزداد ضآلة مع مرور الوقت، بحكم الأزمة نفسها، وبحكم ضغط القوى الصاعدة.

معلومات إضافية

العدد رقم:
786