لينضح كل إناء بما فيه

إن وجود طبقات اجتماعية متباينة، ذات مصالح مختلفة، تجد التعبير الأمثل عنها في أحزاب سياسية حاملة لمشاريع هذه الطبقات؛ مما يجعلنا نقر بداية وتوخياً للعلمية: أن غياب قانون الأحزاب لا يلغي الفعالية السياسية لهذه الطبقات، بل يشوهها. فتذوب المعالم والحدود بين الاتجاهات السياسية المختلفة، ويتفق الجميع في القول ويتمايزون في الممارسة.

ولما كانت الطبقة العاملة = الجماهير = (كل من يقوم بالعمل في مقابل رأس المال) هي التي تشكل غالباً جسم الأحزاب؛ فإن هذا التشوه لا يجعل أياً من هذه القوى السياسية في موضع ثقتها. وإذا أضفنا إلى ذلك أن طبيعة الفعل السياسي للطبقة العاملة لا يؤتي أُكلاً مباشرة على حياتها؛ لتبين لنا أسباب الداء الدويّ في عزوف الجماهير عن الحياة السياسية؛ وبالتالي غياب المجتمع السياسي. وعليه فإن الفعل الأول لقانون الأحزاب القادم يجب أن يتجلى في إعادة خلق الاصطفافات الفكرية والسياسية وحتى التنظيمية بين القوى المتمايزة.

ولعلنا نجزم أنه على المشرعين أن يتناولوا قانون الأحزاب من خلال أداتين معرفيتين،,هما تحديداً: الخصائص الملموسة للفترة الحالية ـ نسبة القوى بين طبقات المجتمع. ومن خلال هاتين الأداتين يمكن مقاربة قانون أحزاب عصري، يتفهم الواقع الحالي ويؤسس لواقع أفضل.

وفي هذا السياق أرى:

■ الخصائص الملموسة للفترة الحالية:

تتركز الخصائص الملموسة للمرحلة الحالية في ثلاث قضايا مركزية أساسية: وطنية، اقتصادية، أيديولوجية. ضمن مستويين من الاختلاف: اختلاف صراعي ـ اختلاف تبايني. ولئن كان الاختلاف الصراعي يمثل جوهر نضال الأحزاب؛ فإن الاختلاف التبايني يمكن، بل ويجب أن يكون تحالف مؤقت لقوى طبقية مختلفة لتنفيذ المهام التي يجمعون عليها، مع التحفظ، بل وحتى النضال السافر في القضايا الخلافية.

وبالملموس: فإن الواقع الحالي يملي على هذه القوى التواضع على مشروع نهضوي ـ تحرري يمثل قاسماً مشترطاً. وهذا ليس من باب المواعظ إذ أن استقراء الواقع يجرد نقاط التماس بين هذه القوى على الشكل التالي:

1. القضية الوطنية التحررية ببعدها القومي والطبقي، وتحديداً القضية الفلسطينية لما تمثله كرأس حربة في مواجهة العولمة، عبر دعم وتعزيز وتطوير الخيار العربي المقاوم ودفعه نحو انتصارات ملموسة فعلية. وفي هذه النقطة شبه إجماع.

2. مركزة الإنتاج بجميع الأشكال /قطاع عام، دولة، خاص، مشترك،استثماري..../. ملاحظين الاتفاق بين مختلف القوى على الهدف / مركزة الإنتاج/ والاختلاف على الشكل.

3. تتمايز هذه القوى عن بعضها البعض في التعاطي مع النقطتين السابقتين ويتوضح بشكل أكبر في النقطة الثانية، وهذا الخلاف الأيديولوجي في التعاطي النابع من الرؤية الطبقية للقوى السياسية، مؤسس ـ في كل حال ـ على اختلال الرؤية المستقبلية وفعالية هذه القوى ـ الحالية أوالمفترضة ـ  وقدرتها على دفع معطيات الواقع بالاتجاه الذي تريد. وعليه فإن قانون الأحزاب، والذي يجب أن يكون فوق هذه القوى عبر تساويها أمامه، يغدو مؤسسة سياسية ضامنة وناظمة للتفاعل وحتى التصارع السلمي لهذه القوى بين بعضها البعض ومع المجتمع.

■ نسبة القوى بين طبقات المجتمع:

تجاوزاً لكل التفاصيل نظراً لضيق المقام ـ رغم أهميتها ـ وعلى أرضية ثنائية (العمل /رأس المال) ينتصب أمامنا قطبان لهما ثالث. أما الأول: فهو الليبرالية الجديدة باعتبارها المعبر السياسي عن الكومبرادور المتمفصل عملياً مع المراكز الاحتكارية العالمية. وأما الثاني: فهو مشروع نهضوي ـ تحرري، غير متبلور حتى الآن، يمثل الجماهير الشعبية بكل تلاوينها. وأما ثالثهما: فهو قوى متذبذبة ومتأرجحة بين القطبين وتشمل طيفاً واسعاً من القوى الطبقية والاجتماعية والأيديولوجية.

وبعبارة أخرى : فإن قانون الأحزاب سيبلور اللوحة السياسية التالية:

■ الليبرالية الجديدة: اختلاف صراعي سلمي مع المشروع النهضوي التحرري واختلاف تبايني مع القوى الوسطية المتذبذبة.

■ المشروع النهضوي ـ التحرري: اختلاف صراعي سلمي مع الليبرالية الجديدة، واختلاف تبايني مع القوى الوسطية المتذبذبة.

أي قانون أحزاب نريد؟

لئن كانت نسبة القوى غير واضحة حتى الآن بين القطبين، لعدم وجود مؤسسة سياسية ضامنة للتفاعل الموضوعي، أي قانون للأحزاب؛ فمن المؤكد أن القطب القادر على شل تذبذب وتأرجح القوى الوسطية لصالحه، هو القطب القادر على تحديد تطور سورية اللاحق سياسياً واقتصادياً. ولا نبالغ إذا قلنا أن قانون الأحزاب سيلعب دوراً ليس بالقليل في هذا التطور اللاحق، وسيجعل كل التفاصيل تنسرب في أحد المآلين:

الأول: قانون أحزاب مكبل ومكبل للقوى السياسية والنشاط السياسي لا يهدف سوى إلى قوننة الواقع السياسي الحالي، وإبقاء النار  تحت الرماد، وهو غاية المنى لليبرالية الجديدة؛ إذ عبره تستطيع تحت يافطة النضال الديمقراطي وبناء دولة على الطراز الأوروبي، حسم تذبذب القوى الوسطية عبر كل البنى التقليدية من غيبية وعشائرية وفساد، واستدعاء بعض عناصر البرجوازية التقليدية، ساعية من وراء ذلك إلى امتلاك القرار السياسي الوطني وما يستتبعه ذلك من إعادة ترتيب البنى السياسية والاقتصادية للسير في ركب العولمة. ولا يغبن عن البال أن أي كبح للديمقراطية يصب الماء في طاحونة الليبرالية الجديدة.

والمآل الثاني: قانون أحزاب ديمقراطي إلى أقصى حد ممكن، وهو ما يتطلبه المشروع النهضوي ـ التحرري؛ إ ذ تستطيع الجماهير الشعبية من خلاله الالتفاف حول احزابها الجدية وشل تذبذب القوى الوسطية وعزل الليبرالية الجديدة بتعريتها وتعرية زيف نضالها الديمقراطي. ولن يكون ذلك ممكنا ً إلا بانفتاح قانون الأحزاب وإخراج كل أشكال الاختلاف الصراعية منها والتباينية، إلى العلن. عندها تطلق روح المبادرة والعزيمة لدى الطبقة العاملة والجماهير الشعبية.

ولينضح كل إناء بما فيه. وليجر التطور الطبيعي الموضوعي. وما كان ولن يكون التطور الموضوعي الطبيعي في الاتجاه المعاكس لمصالح ورغبة الشعوب.

 

■ حلب ـ ماهر حجار