القضية الكردية: طريق واحد..!

القضية الكردية: طريق واحد..!

لم تكن  في يوم من الأيام حقوق السوريين الأكراد غائبة عن مواقف الشيوعيين السوريين وأدبياتهم السياسية، كون هذه القضية هي جزء أساسي من برنامجهم السياسي الديمقراطي الذين ناضلوا من خلاله دفاعاً عن الحقوق المشروعة للسوريين الأكراد مثلهم مثل أغلبية الشعب السوري الذين تعرضت حقوقهم السياسية والديمقراطية والاقتصادية للكثير من التغييب والانتهاك. 

ومع هذا فإن السوريين الأكراد لهم خصوصية تتمثل بحقوقهم الثقافية التي جرى العمل على تغييبها وحرمانهم منها. هذه الحقوق التي لو جرى العمل على حلها بما يلبي المطالب المطروحة منذ عقود عدة لتم حل الكثير من القضايا المثارة الآن، والتي هي موضع استثمار من القوى الاستعمارية والقوى المحلية الرجعية في محاولة افتعال صراع قومي الطابع، حيث باتت هذه القضايا تشكل أداة تفجير كامن على نحو دائم يتم استخدامها في اللحظات المطلوبة، عبر توظيف أشكال الشحن القومي المتبادل كلها، ليصبوا الزيت على النار في لحظة مطلوب فيها على نحو واضح إطفاء النار الشاعلة على طريق حل الأزمة الوطنية بما يلبي الحقوق المشروعة للسوريين كلهم.

جاءت الوثيقة المعنونة «القضية الكردية وشعوب الشرق العظيم» التي أصدرها حزب الإرادة الشعبية، المطروحة للنقاش العام والمعني بنقاشها السوريون كلهم بمكوناتهم السياسية والمجتمعية المختلفة، لتطرح حلاً لحظياً، وحلاً استراتيجياً، للقضية الكردية. 

تغيّر موازين القوى مدخل الحل

استناداً لرؤية الحزب للمتغيرات الدولية الجارية، تم توقع انفجار الأزمة العميقة للرأسمالية، وبالتالي انعكاسها على التغير الممكن حدوثه في موازين القوى على الصعيد الدولي، من حيث تراجع الدور الإمبريالي الأمريكي كمهيمن عبر الاقتصاد والعسكرة في مراحل سابقة لعملية التغير، مرحلة انهيار الاتحاد السوفيتي والمعسكر الاشتراكي وهيمنة المعسكر الإمبريالي الأمريكي الغربي، ومن حيث حضور قوى جديدة على الساحة الدولية تملك مقدرات اقتصادية وعسكرية كبيرة تمكنها من كسر تلك الهيمنة، التي كانت سائدة إلى وقت قريب، مما يعني انفتاح الأفق أمام الشعوب مرةً أخرى للخلاص من أشكال الهيمنة الاقتصادية والسياسية جميعها.

جاء في الوثيقة أن «الأزمة الرأسمالية العالمية قابلة لأن تكون نهائية وقاصمة، وفي ظل ميزان القوى الدولي الجديد المتشكل لم تعد واشنطن القوة رقم 1 الآمرة الناهية في العالم». واستناداً لهذا الفهم في تغير موازين القوى يمكن حل القضايا الإشكالية العالقة كالقضية الكردية، وغيرها من القضايا التي هي مجال ومساحة واسعة لإبقاء عوامل التفجير والتوتير مستمرة يمكن استخدامهما في اللحظة التي يراها المخطط الأمريكي في المنطقة مناسبة له، كما جرى في أحداث الحسكة الأخيرة وقبلها في القامشلي.

الطارئ استعمارياً هو المرفوض

يتوزع الكرد في أربعة بلدان إقليمية (سورية– العراق– تركيا– إيران)، ولكل بلد من هؤلاء خصوصية في التعامل مع القضية الكردية والجامع بينهم، هو عدم الذهاب نحو حل هذه القضية بما يحقق المصلحة المشتركة لهذه الشعوب جميعاً، والتي يجمعها الكثير من المشتركات التاريخية من عادات وتقاليد ونضال مشترك ووضع اقتصادي متشابه إلى حد كبير، وبالتالي الأساس المادي والحقيقي لحل القضية الكردية متوافر من حيث المبدأ، ولكن التسعير القومي يحول دون الوصول إلى ذلك الحل الموجود، الذي عبرت عنه الوثيقة بشكل واضح وبيّن، يحقق مصالح شعوب المنطقة ويجعل الحل ممكناً على أساس تلك المشتركات التي هي ليست طارئة على شعوب المنطقة، بل إن الطارئ هو المفروض عليها استعمارياً كالتباعد والتفكك المنافي لطبيعة تطور علاقات هذه الشعوب عبر التاريخ. 

جاء في الوثيقة «إن ما يجمع هذه الشعوب هو أكثر بكثير مما يجمع سكان الولايات المتحدة أو الاتحاد الأوربي حيث ثمة تكوين نفسي– قيمي– اجتماعي– عاطفي متشابه، ثقافة قواسمها مشتركة كبيرة– تاريخ نضال مشترك في وجه الاستعمار بشكليه القديم والجديد– ثمة نضال اقتصادي واحد موضوعياً لأنها بحد ذاتها إقليم اقتصادي بالمعنى الواسع للكلمة أي يتمتع بموارد بشرية وطبيعية كافية... الخ».

هل هذه المشتركات

 تجعل الحل ممكناً؟

الرأسمالية في بلدان العالم الثالث هي رأسمالية تابعة ولها مصالحها المشتركة مع المراكز الرأسمالية العالمية، حيث تعمم هذه المراكز سياساتها الاقتصادية التي تجد في بلدان العالم الثالث من يتوافق معها كونه سيؤمن نهباً عالياً للثروة وتمركزها. وبالتالي، على هذا الأساس، لا تتمكن هذه البلدان من تأمين ذلك النمو الحقيقي المطلوب لعملية التنمية الشاملة، مما يعني أن أغلبية الشعب المنتج الأساسي للثروة لا يمكنه الاستفادة منها وهو محروم منها، وهذا يظهر جلياً في المناطق التي تسمى حكومياً بالنامية، أي أن هذه المناطق تنتج الثروة ولكن لا يصيبها منها شيء سوى الفتات، وهذا معمم على السكان من القوميات المختلفة جميعها، سواء أكانوا عرباً أو كرداً أو غيرهم. ولهذا، فإن المشترك فيما بينهم هو النهب العالي لمنتوج عملهم وللثروات المنتجة في المناطق المختلفة الجامعة لهذه القوميات. 

وفي المقابل، فإن هذا النهب للثروات هو موضوعياً محفز أساسي للنضال المشترك من أجل التوزيع العادل للثروة، وهو يحتاج إلى موازين قوى تحقق هذا التوزيع العادل المنشود. وبكلام آخر، فإن هذه الموازين المفترض تغيرها لصالح الفقراء جميعهم هي عامل توحيد وتساوٍ في الحقوق السياسية والديمقراطية للسوريين كلهم، بما فيها الحقوق الثقافية الكاملة للسوريين الأكراد، أي حق المواطنة الكاملة للطيف الاجتماعي السوري كله.

إن أي من الطروحات المتطرفة من أي طرف كان تعميه عصبيته القومية أو المذهبية أو الدينية لا ولن تشكل حلاً لأية قضية سورية، صغيرة أم كبيرة. وبهذا المعنى فإن السواد الأعظم من السوريين الذي يتخوف فعلياً من انفجار بؤرة توتر مديدة تزيد من معاناتهم وتبعد الحل السياسي المنتظر والمستحق منذ سنوات، لا يلقي بالاً فعلياً بتقاذف الاتهامات والتصريحات من هذا الطرف المتطرف أو ذاك، فهؤلاء اختبروا عملياً، ودفعوا من دمائهم، نتائج بيع شعارات وطروحات من نمط آخر.

إن الشعار الذي طرحه حزب الإرادة الشعبية حول عملية التغيير الجذري هو شعار يجعل إمكانية الحل الحقيقي للقضية الكردية في سورية ممكنة وواقعية عبر إنجاز التغيير الوطني الديمقراطي العميق والشامل، سياسياً واقتصادياً اجتماعياً، بما يحقق المصالح المشتركة العميقة للسوريين كلهم. 

 

عضو هيئة رئاسة حزب الإرادة الشعبية

آخر تعديل على الأحد, 04 أيلول/سبتمبر 2016 10:38