الأزمة الرأسمالية/ الفاشية والاضطرار الأمريكي

الأزمة الرأسمالية/ الفاشية والاضطرار الأمريكي

يبرز ضمن «التحليلات التبسيطية» المواكبة للتهويل الإعلامي حول «زيادة الوجود العسكري الروسي في سورية» تحليلان أساسيان يتم تكرارهما بشكل كبير على لسان «موالين» و«معارضين» على حد سواء، هما:

أولاً: القول أنّ النقلة الروسية الجديدة، هي انتصار لطرف سوري ضد آخر! وهو قول يتضمن فكرتين خاطئتين، الأولى: اعتبار «داعش» طرفاً سورياً، والثانية: اعتبار كل من روسيا وأمريكا، وغيرهما، «شغيلة» لدى أطراف الصراع السوري..!
ثانياً: القول أنّ المقصود من النقلة الروسية الجديدة، هو ضمان روسيا لحصتها في «التقاسم» اللاحق لسورية، الذي سيفرضه «الحل السياسي»! وهذا «تحليل» يتضمن بدوره فكرتين خاطئتين أيضاً، الأولى: أنّ موارد وثروات سورية هي موضوع الصراع الدولي الراهن! علماً بأنّ أبسط حساب لما صرف حتى الآن ضمن الحرب القائمة، ومن الأطراف الدولية المختلفة، يفوق ناتج سورية وثرواتها لسنوات عديدة. أما الفكرة الخاطئة الثانية فهي مقولة «التقاسم» نفسها، باعتبارها حلاً يرضي روسيا والولايات المتحدة، بآن معاً، علماً بأنها تصب في مصلحة واشنطن حصراً، لأنها تتراجع باطراد على مختلف الصعد، ومن غير المنطقي بالتالي أن تقدم روسيا لها تنازلاً من هذا النوع، يعزز العدوانية الأمريكية، ويدفعها أكثر باتجاه تخوم روسيا، وأمنها القومي، مثلما هو من الساذج وغير المنطقي أساساً القول أن تطمع روسيا التي تختزن 40% من ثروات العالم بأية قسمة أو حصة في سورية..!
بعيداً عن التوصيفات ضيقة الأفق، إعلامياً وسياسياً، يمكن فهم الخطوة الروسية الجديدة ضمن سياق الصراع الدولي القائم، استناداً إلى النقاط الأساسية التالية:
أولاً: إنّ «داعش» ليست إلا إحدى تمظهرات الفاشية الجديدة، على غرار الفاشية في القرن العشرين، التي مثلّها هتلر وحلفاؤه. والفاشية، حسب تعريف جورجي ديمتروف، هي أشد أشكال حكم رأس المال المالي العالمي رجعية. ويمكن أن يحدد التعريف أكثر في الظرف الراهن بأنها حكم رأس المال المالي الإجرامي العالمي (مخدرات، سلاح، دعارة)، الذي يشكل اليوم 30% من دورة رأس المال المالي العالمي، والذي تعتبر الصهيونية إحدى أهم مكوناته.
ثانياً: كان ظهور الفاشية في القرن العشرين تعبيراً عن أزمة عميقة تعيشها المراكز الإمبريالية، والرأسمالية عموماً، يجري عبرها تدمير القوى المنتجة وتدمير الخصوم بغرض إعادة توزيع النفوذ العالمي، ومحاولة تنفيس الأزمة. وقد مرّت عملية تصنيع الغرب لفاشية هتلر بأربع مراحل متتالية: 1-دعم سري مالي وسياسي 1929-1932، 2-سكوت مشبوه ومريب 1933-1939، 3-كلام ضد الفاشية، وتظاهر بمحاربتها، دون القيام بأي فعل حقيقي ضدها 1939-1943، 4-الاشتراك الفعلي في القضاء عليها بعد استنفاد دورها الوظيفي، ووضوح اقتراب هزيمتها النهائية 1944 وما بعد.
ثالثاً: إنّ تطبيق المراحل السابقة على شكل ظهور داعش وتطورها يبين قدراً كبيراً من التشابه بين الحالتين، حيث تمتد مرحلة الدعم السري للقاعدة وأشباهها حتى ما بعد الحرب على العراق، ومن ثم بين 2005-2011 سادت مرحلة الصمت المريب، الذي عقبته مرحلة التظاهر بالمواجهة ابتداء من 2013، وبتنا الآن على أبواب المرحلة الرابعة بسبب من الضغط الروسي، حيث أن قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة المرتقب بشأن محاربة الإرهاب هو إيذان بذلك..
وإذا كانت الفاشية بصيغتها الأولى قد تزامنت مع بقاء «الأمريكي» أقل الخاسرين اقتصادياً، بحكم أن الحرب التي أنهكت القوى كلها لم تصل إلى الأراضي الأمريكية، وتحوله بعد الحرب، والقضاء على الفاشية، إلى أكبر الرابحين بين الدول الرأسمالية اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً، فإن الفاشية الجديدة تتزامن اليوم مع تراجع عاصف للاقتصاد الأمريكي، وللاقتصاد الرأسمالي عموماً.
رابعاً: إنّ مضمون الخطوة الروسية لا يزال حتى اللحظة مضموناً سياسياً هدفه امتصاص العدوانية الأمريكية وتأريضها، وصولاً إلى وضع يأخذ فيه كل طرف دولي حجمه الطبيعي وفقاً لوزنه المستجد، اقتصادياً وسياسياً، وحتى عسكرياً. وبذلك فإنّ روسيا إنما تضع واشنطن اليوم أمام احتمالين: إما إعادة تشكيل تحالف دولي عبر مجلس الأمن، لا زعامة فيه لطرف بعينه، بل عبر قيادة مشتركة، يحارب «داعش» وينهيها بالتزامن مع تنفيذ بيان جنيف1 وإطلاق الحل السياسي، وإما ذهاب روسيا وحلفائها لإنهاء «داعش» بمعزل عن واشنطن، مما سيحرج الأخيرة ويخرجها من المعادلتين السياسية والعسكرية في سورية. ولذا فإن الاحتمال الأول هو الأكثر قابلية للتحقق، ولا يمانعه الروس.
إنّ النقلة الجديدة ضمن الاشتباك الدولي، في نهاية المطاف، ستفتح الباب بسرعة أكبر نحو انطلاق الحل السياسي الحقيقي في سورية، على أساس جنيف1، بالتزامن مع إنهاء «داعش» وأشباهها، فعلياً.

آخر تعديل على الأحد, 27 أيلول/سبتمبر 2015 12:35