جميل لـ«الميادين»: الموقف التركي مشتق وتابع للمواقف الأساسية المشغلة

جميل لـ«الميادين»: الموقف التركي مشتق وتابع للمواقف الأساسية المشغلة

استضافت قناة الميادين مساء الجمعة 25/9/2015، د.قدري جميل، أمين حزب الإرادة الشعبية، وعضو قيادة جبهة التغيير والتحرير، ضمن حوار جمعه مع الأستاذ في علم الاجتماع بجامعة ويسكونسن الأمريكية، د.سيف دعنا، حيث تناولت أسئلة المحاور، كمال خلف، التغير المتوالي سريعاً في مواقف القوى الغربية إزاء التسوية السياسية في سورية، على خلفية الضغط الروسي. وفيما يلي ذلك الجزء من الحوار مع د.جميل:

كيف تعتبرون التغير في المواقف الغربية مؤخراً، والموقف التركي؟

هو تعبير عن ميزان القوى الذي كان واضحاً إلى أين يسير، منذ بداية الأزمة السورية. أعتقد أن من يستغرب ما يجري لم يكن يعلم فعلياً كيف تتموضع القوى، وهدفها الاستراتيجي من المعركة التي جرت في سورية. فهل الغرب، برأيكم، لم يكن يعلم أنه لا يمكن حسم المعركة في سورية بعد الفيتو الصيني الروسي الأول؟ الغرب كان يعلم ذلك جيداً، لكن المطلوب هو الاستنزاف. وقد عبر عن ذلك بشكل واضح وصريح هنري كيسنجر، عندما قال أنه يجب إحراق سورية من الداخل. ولكن الأمور وصلت إلى خواتيمها، ويمكن حسبما أعتقد أن نرى شيئاً شبيهاً بما جرى في الثلاثينات (من القرن الماضي) بما يتعلق بنمط التعامل الغربي مع الفاشية، وعلاقته بها، في حينه. واليوم داعش وأخواتها هي شكل جديد من الفاشية الجديدة. وإذا تتبعنا بشكل جدي سلوك الغرب مع الفاشية القديمة نرى عملياً أنه نهج السلوك نفسه الذي انتهجه خلال السنوات العشرة الماضية..


لفتني أنك تقول أن الأمور وصلت إلى خواتيمها في سورية، هل هذا بناءً على تقديرات أو ربما احتمال؟

هي تقديرات، والتقديرات احتمالات، والاحتمالات هي نتيجة لاستقراء الواقع. وصلت الأمور إلى خواتيمها لأن الوضع في سورية ليس له علاقة فقط بميزان القوى، بالأحرى ميزان القوى الداخلي هو انعكاس لميزان القوى الدولي، ومن لا يفهم هذه الحقيقة سيخطئ في حساباته كثيراً. كان واضحاً منذ الفيتو الروسي الصيني الأول أن ميزان القوى قد تغير، ولم تعد الأمور كما كانت في الأزمة الليبية والأزمة العراقية قبلها. وكان واضحا أن الأزمة السورية لا يمكن أن تحل على شاكلة الطريقة التي «حلت» بها الولايات المتحدة الأزمة العراقية والأزمة الليبية، ولكن الظاهر أن الغرب بحاجة إلى فترة كي يتأقلم مع المعطيات الجديدة، ويتعود عليها. وأنا أعتقد أن هذه المرحلة من 2011 إلى اليوم كافية كي يعو الحقائق وينتهوا من حالة الإنكار التي عاشتها فرنسا وإنكلترا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية  حتى حرب السويس، حتى اقتنعوا أنهم ليسوا القوى العظمى في العالم.


دكتور تتحدث عن عدم استغراب من المواقف الغربية، وقدمت سبب عدم الاستغراب، ووضعت تاريخ فاصل، وهو رفع الفيتو الروسي الصيني، لكن حضرتك لم تستغرب من الموقف التركي اليوم؟

لا، فالموقف التركي هو موقف مشتق وتابع للمواقف الأساسية المشغلة. لا أعتقد أن القوى الإقليمية لديها هامش استقلالية مطلق في مواقفها هو كلام جدي، ما دامت المواقف المركزية الكبرى فهمت أن هذه اللعبة لا يمكن أن تستمر طويلاً، إلا بخسائر كبرى هي ستصاب بها. والآن رأينا نتائج اللعبة التي يلعبونها في سورية من خلال تدفق المهاجرين، ومن خلال أخطار داعش على الإقليم بمجمله. لذلك لا يمكن أن تستمر هذه اللعبة طويلاً. وإذا كانت القوى الإقليمية التي موقفها مشتق على أساس المواقف الدولية صعب عليها أن تتأقلم بسرعة وأخذت وقتاً زيادة عن اللزوم فهي قد تأقلمت في نهاية المطاف.


هذا التطور الذي طرأ على المشهد في سورية عسكرياً، من خلال زيادة النشاط العسكري الروسي في سورية، هل يوازيه وجود فرص للحل السياسي أو تقدم في مسار المفاوضات للوصول إلى الحل في سورية؟

أعتقد أن المسارين متوازيان ومترابطان ويؤثران على بعضهما البعض. مكافحة الإرهاب تتطلب توحيد كل البنادق، التي كانت تتواجه في المرحلة الماضية، على داعش. اليوم لا نملك ترف أن يوجه السوريون بنادقهم إلى بعضهم البعض، فسورية كلها في خطر محدق، كوحدة جغرافية سياسية وكشعب. لذلك عملياً، فإن مبادرة بوتين جوهرها تحالف إقليمي، وداخلي أيضاً بين كل القوى المستعدة لمقاتلة داعش، لأنني أعتقد أن هذه هي المهمة الأولى التي لا تعلو عليها أية مهمة أخرى، ولأن المهمة التي تضعها داعش أمام نفسها عملياً، هي زوال سورية من الخارطة الجغرافية السياسية.  فإذا ما زالت سورية، ما معنى البرامج السياسية والاقتتال الذي جرى، وما معنى المواجهات بين السوريين؟ اليوم أعتقد أنه لدينا مهمتين: إيقاف خطر داعش واجتثاثه، ودحر الإرهاب نهائياً، وفتح الطريق للحل السياسي الذي يسمح بتوحيد السوريين وحل خلافاتهم عبر الطرق السلمية، ولا ننكر وجود الخلافات، ولكن من الممكن إيجاد الطرق والوسائل لحلها.


ما نسبة التوافق على هذه الرؤية بين أطراف المعارضة السورية؟

ليس هذا المهم، بل المهم هو رأي الشعب السوري، وهو اليوم غاضب، غاضب جداً على السياسات التي اتبعت من أكثرية المعارضات، ومن جزء هام من النظام، والتي لم تأخذ بعين الاعتبار، ضرورات الشعب السوري المعيشية، وضرورة استمراره بالعيش العادي، وليس العيش الكريم أو الفاخر! اليوم لدينا ملايين المهاجرين في الداخل والخارج، ولدينا خطر انهيار الدولة، وتفريغ سورية من سكانها، وهذه المهمة لا تعلو عليها أية مهمة أخرى. وإن أية نظرة سياسية أصبحت ضيقة وصغيرة أمام هذه المهمة. ويجب تأجيل جميع القضايا الأخرى إلى المستقبل بعد دحر داعش ولكن بالوقت ذاته، وبشكل مواز، يجب البدء بالحل السياسي، لحل نقاط الاختلاف فيما بيننا بطريقة حضارية سلمية، لأننا عندما توقفنا عن حلها بطريقة حضارية وسلمية، فتحنا الطريق أمام القوى المتطرفة لتعيث خراباً في البلاد.


التغير الغربي عموماً، والتركي خصوصاً على اعتبار أن تركيا تدعم بعض أطياف المعارضة، كيف سينعكس على مواقف المعارضات السورية، في الائتلاف مثلاً؟ هل ستكون هناك مرونة تشبه المرونة التي نشاهدها من الغرب وتركيا؟ هل لديك اتصالات أو معلومات؟

من حيث المعلومات، لا يوجد لدي. ولكن يمكن القول بوضوح: من استطاع فهم الضرورات في الوضع الحالي، سيشارك في العملية السياسية، ومن سيبقى على العناد السابق، سيخرج من الحياة السياسية نهائياً، وسيتلقى لعنات الشعب السوري، بآن واحد. لذلك لا توجد خيارات. الخيارات ضيقة، والوقت ضيق. يتضح اليوم أنه خلال أشهر إذا لم نستطع أن نوقف العمليات السلبية في سورية، فلن يكون هناك موضوع للحوار بين المعارضة والنظام، أو فيما بين المعارضات نفسها. فالعقل السليم، يجب أن يفرض نفسه على الجميع، وأن يتصرفوا انطلاقاً من الضرورة الجديدة الأولى، والتي هي مقاتلة الإرهاب الداعشي، وإنقاذ سورية، وإيجاد الطريقة بآن واحد للحلول السياسية، وحل مشاكلنا بشكل سلمي وحضاري، كما أسلفت.


هل ترى أن التوافق الروسي الأميركي ممكن الحدوث في القمة المقبلة، وهل من المفيد أن تكون هناك استراتيجية أمريكية روسية مشتركة، وفي حال لم تكن فإن الرئيس بوتين يقول: إذا لم يقتنع الأمريكيون سنذهب لضرب داعش بمفردنا في سورية؟

أولاً، ليست المرة الأولى في التاريخ التي يجري فيها تحالف الشرق والغرب، لمحاربة خطر كبير وداهم. هذا جرى في الأربعينيات، وحقق نتائج باهرة، لذلك في الأوضاع الاستثنائية، يمكن أن نرى قوى هي تاريخياً على طرفي نقيض، تجد القواسم المشتركة من أجل القضاء على خطر مشترك. اليوم، التحالف الأمريكي يضرب «داعش» منذ سنة، والنتيجة الوحيدة التي رأيناها هي تمدد «داعش» بشكل كبير. واليوم يجب أن نفهم حقيقة أن الأمريكيين أمام خيارين، أحلاهما مر، الأول: هو اختيار الاندماج في التحالف الدولي الذي يقترحه الروس تحت مظلة الشرعية الدولية، وقد أعطت الانطلاقة الأولى لهذا الاقتراح مبادرة الرئيس الروسي، التي أعلن عنها خلال زيارة وزير الخارجية السورية، إلى موسكو وليد المعلم، أي قيام التحالف الإقليمي والدولي للقيام بمهمة مواجهة داعش تحت مظلة الشرعية الدولية، ويجب أن يكون جدياً، ويؤدي المهمة المطلوبة منه، وإلا فإن الروس مضطرون، انطلاقاً من القضية الخطرة التي باتت تهدد أمنهم الوطني، لأن يتصرفوا لوحدهم مع حلفائهم في المنطقة، ليس في الشرق الأوسط فقط، بل أوسع من هذا ربما، ليتصدوا لهذه المهمة بمفردهم.
وهنا يحضرني ما قاله الرئيس الفرنسي السابق ساركوزي، بأن الروس في حال قرروا وصمموا أن يحلو موضوع مكافحة داعش فمن الممكن أن يحلوا الأمر خلال شهر واحد.
وبناءً عليه، فإن الأمريكيين محصورون بالزاوية اليوم، فهم إن لم يلتحقوا، فإن روسيا ستحل المهمة لوحدها، ولذلك فإن اندماجهم في تحالف دولي اليوم، هو أقل الأمور شراً بالنسبة إليهم، من أجل حل هذا الموضوع. أما أن تبقى الأمور كما كانت عليه، بوجود تحالف دولي غير جدي، فعلياً على الأرض، ولا يجري بالنتيجة إلا تمدد داعش، فهذا أمر لا يجب أن يستمر، والقوى النظيفة في عالم اليوم، لن تسمح بذلك، وفي مقدمتهم الروس.
والولايات المتحدة ليس لديها أي حل إلا الذهاب إلى تحالف دولي، وأن يوافقوا على تنفيذ بيان جنيف1، وأن يوقفوا مماطلتهم بعقد جنيف3.

آخر تعديل على الأحد, 27 أيلول/سبتمبر 2015 11:37