ليسنكو وفافيلوف (4) - الأسباب الحقيقية للمجاعة الأوكرانية

ليسنكو وفافيلوف (4) - الأسباب الحقيقية للمجاعة الأوكرانية

نتابع في هذه الحلقة توضيح السياق التاريخي الاقتصادي-السياسي الذي لا بدّ منه لتفسير جزء مهم من أسباب حملة التشهير الغربية بعالِم البيولوجيا والزراعة السوفييتي ليسنكو الذي تمّ ربط اسمه بستالين وبالمجاعة الأوكرانية، وتتناول هذه الحلقة الأسباب الحقيقية لتلك المجاعة.

لا شكّ بأنّ العملية الثورية لتصفية الكولاك كطبقة وإنجاز التجميع الزراعي، لم تتم بسلاسة وبلا أخطاء وحالات من الظلم في التنفيذ، ولكن ستالين نفسه أقرّ بذلك علناً وباكراً (بعد شهر من بدء التنفيذ) في مقالة شهيرة في صحيفة البرافدا، 2 آذار 1930، بعنوان «زهوة النجاحات» بمعنى «الدُّوار بسبب النجاحات»، مؤكداً أنه في بعض الحالات: «جرى انتهاك المبادئ اللينينية في الانضواء الحر للفلاح لدى تشكيل الكولخوزات» وانتقد ستالين مخالفةَ تعليمات الحزب وذكر كمثال: «في تركمانستان جرى تهديد الفلاحين بالسلاح فيما لو تلكؤوا في الانضمام إلى الكولخوزات». بينما كان يفترض أن يتم ذلك «ليس بأساليب الضغط والإكراه، بل من خلال القدوة والمثال» كما سبق أن شدّد القرار الصادر عن المؤتمر الخامس عشر للحزب عام 1927.
وبعد أسبوع من نشر مقالة ستالين، صدر قرار عن اللجنة المركزية بتشكيل لجنة تحقيق في التجاوزات فتبيّن أنّ 6% من الكولاك المرسَلين إلى سيبيريا قد نُفيوا ظلماً، وخلال ثلاثة أشهر أعيد الاعتبار إلى 70 ألف أسرة كولاكية في خمس مناطق.

الدعاية النازية-الإمبريالية

يؤرّخ مارتينز أنّ حملةً لترويج الرواية الإمبريالية عن المجاعة/المجزرة الأوكرانية بدأها النازيون عام 1933، ثم تلقّت زخماً هائلاً بعد اللقاء الذي جرى نهاية صيف 1934 بين هتلر ووليام هيرست، الملياردير الأمريكي وأحد عمالقة رأس المال المستثمر بالإعلام آنذاك، حيث تمخّضت عن لقائهما اتفاقية تنص على أن ألمانيا النازية ستشتري مذّاك فصاعداً أنباءها الدولية من شركة «إنترناشونال نيوسيرفس» التي يملكها هيرست، والتي أخذت تساهم بنشاط في ضخ الأكاذيب والتحريفات بشأن «المجاعة في أوكرانيا» وبالتزامن والتكامل مع حملة إعلامية أطلقتها الصحافة النازية حول ذلك أيضاً، لاتهام البلاشفة وستالين، وذلك بهدفٍ واضح: التمهيد الذهني والنفسي لتقبّل غزو النازيين لأوكرانيا السوفييتية تحت مسمّى «تحريرها». وأخذت الصفحات الأولى للصحافة الأمريكية تنشر سلسلة مقالات بعناوين من قبيل: «المجاعة في الاتحاد السوفييتي تفتك بستة ملايين شخص، مصادرة محصول الفلاحين، الهلاك يعمّ الناس والبهائم» و«مجاعة – جريمة بحق الإنسانية» وما إلى ذلك.
واستمرت الحملة طوال الحرب الباردة وبلغت حدها الأعلى بعد نصف قرن، عام 1983، مع فيلم «حصاد اليأس» ثم كتاب «حصاد الأسى» لروبيرت كونكويست 1986. ويلاحظ مارتنيز: «لقد كان الفيلمان: (حصاد اليأس) حول (المجزرة) الأوكرانية، و(ملاعب القتل) حول (المجزرة) الكمبودية، العملين الأكثر أهمية المصنوعين من قِبَل بطانة ريغان [الرئيس الأمريكي] لإقناع الناس بأن الشيوعية كانت مرادفة للمجزرة» [ص138].
الأسباب الحقيقية للمجاعة الأوكرانية
كما يوضح مارتينز في كتابه [ص146–151] كان ثمّة مجاعة في أوكرانيا بالفعل عامي 1932 و1933 ولكنها نجمت عن الصراع المستميت الذي كان اليمين المتطرف الأوكراني، المرتبط بالنازيين، يخوضه ضد الاشتراكية وضد التجميع الزراعي.
وفيما بعد وجد النازيون والإمبرياليون حاجة إلى تضخيم صورة هذه المجاعة والتغطية على أسبابها الحقيقية، وهذا يفسّر جزئياً ترويج مصطلح «هولودومور» للمجاعة الأوكرانية، المماثل لـلـ«هولوكوست» النازي.

يشرح مارتينز أربعة أسباب لهذه المجاعة، نلخّصها فيما يلي:

أولاً- الحرب الأهلية التي شنها الكولاك والعناصر الرجعية ضد التجميع الزراعي. حيث فضّلت طبقة الكولاك الاستماتة الفظّة في حماية ثرواتها التي تستغلّ بها الأغلبية الساحقة من الفلاحين الفقراء، وعلى مبدأ «عَلَيَّ وعلى أعدائي» فضّل الكولاك إبادة ملكيتهم الخاصة من الماشية والخيول على أن يروها تُنزَعُ منهم لتوزَّع على المزارع الجماعية للفلاحين الفقراء المدعومين من السلطات السوفييتية. والأرقام تكفي لتأكيد أحد الأسباب الرئيسية للمجاعة ومَن كان المسؤول الحقيقي عنها: بين 1928 و1933 أباد الكولاك من الثروة الحيوانية أكثر من نصف الخيول فلم يبقَ من أصل 30 مليون رأس سوى 15 مليوناً، وقرابة نصف الماشية ذات القرون (بما فيها الأبقار) فلم يبق من 70 مليون رأس سوى 38 مليوناً، وزُهاءَ ثلثي الأغنام والماعز حيث لم يبق من 147 مليوناً سوى 50 مليوناً، ولم يبق من 20 مليون خنزير سوى 12 مليوناً. هذا عدا عن إرهاب الكولاك بقتلهم الموظفين وإحراق الملكيات العائدة للتجميع الزراعي، كما أحرقوا محاصيلهم بالذات وبذارهم ورفض كثير منهم زرع أرضه أو جني محصوله، في مسعى للضغط على السلطات السوفييتية لتقدم تنازلات لهم.
وأقرّ بذلك حتّى أحد زعماء الحركة القومية الأوكرانية المعادية للسوفييت، وهو إسحق مازيبا الذي اعترف متفاخراً في مقال له عام 1934 بتخريب الزراعة في أوكرانيا بوساطة من أسماهُم «مقاومة» بهدف «عرقلة خطط البلاشفة في البذار والحصاد» مما أدى إلى «إخفاق خطة جمع محصول 1931 بل وخطة 1932. وكانت كارثة 1932 الضربة الأشد إيلاماً [...] منذ مجاعة 1921-1922»، والنتيجة كما يؤكد مازيبا: فشل حملات البذار في الخريف والربيع وترك مساحات هائلة بوراً وأنّ ٢٠% إلى 40% من محصول الحبوب في العديد من المناطق «تُركت للغربان في الحقول» ولم تمسّها مناجل الحصّادين أو دُمّرت وقتَ الدَّرس في البيادر.

ثانياً- الجفاف الشديد مدةَ ثلاثة أعوام متتالية من 1930 حتى 1932. وإذا كان كثير من المؤرّخين في الغرب يزعمون أن الجفاف «كذبة اختلقها النظام السوفييتي» إلّا أنّ عدة مؤرخين أوكرانيين رغم عدائهم للسوفييت اعترفوا بحدوث الجفاف وتأثيره. ومنهم البروفيسور نيكولاس رياسنوفسكي الذي درّس في مركز الأبحاث الروسي التابع لجامعة هارفرد الأمريكية. وكذلك البروفيسور ميشيل فلورينسكي الذي قاتل البلاشفة إبان الحرب الأهلية ولكنه أقرّ بأنّ: «الجفاف الشديد عام 1930 و1931 وخاصةً في أوكرانيا، فاقم خطورة الوضع الزراعي ودفع بأوضاع السكان إلى حافة المجاعة».

ثالثاً- جائحة مرض التيفوس في أوكرانيا وشمالي القفقاس. وهذه شهادة هانس بومانفيلد، أحد الناجين من الجائحة، وكان مهندساً كندياً معروفاً عاش في مدينة ماكاييفكا الأوكرانية آنذاك:
«ما من شكّ في أنّ المجاعة خلّفت كثيراً من الضحايا، ولا أمتلك أي معطيات لتقدير عددهم [...] وأرجّح بأنّ أغلبية الوفيات نجمت عن جائحات التيفوس والحمى التيفية والديزنتاريا، كان المرضى يُنقَلون عبر النهر إلى ماكييفكا. وقد نجوتُ بأعجوبة من الموت بعد أن أصبت بهجمة من الحمى التيفية».
وحتى هورسلي غانت الذي بالغ بشكل هائل بعدد موتى المجاعة زاعماً بأنه بلغ 15 مليوناً، أي 60% من سكان أوكرانيا الأصليين البالغ عددهم 25 مليوناً عام 1932، أوضح مع ذلك بأنّ ذروة التيفوس تزامنت مع ذروة المجاعة وكان مستحيلاً تمييز أيّ السببين هو الأكثر أهمية في عدد الضحايا.

رابعاً- الفوضى التي رافقت بالضرورة عملية إعادة تنظيم الزراعة والانقلاب العميق في العلاقات الاقتصادية والاجتماعية: ضحالة التجربة والارتجال وغموض التوجيهات ونقص الإعداد والتطرف اليساري لدى بعض الشرائح الأكثر فقراً ولدى قسم من الموظفين [ص149].
الحلقات القادمة من هذه السلسلة ستتناول: ماذا ورد في أرشيفات التحقيق مع فافيلوف بعد اعتقاله؟ وتعليقات ستالين على وثيقة علمية أعدّها ليسنكو، والجدال بشأن فرضية «وراثة الصفات المكتسبة».

لقراءة الجزء الأول من المقال: ليسنكو وفافيلوف وأشرسُ حَملة لتشويه تاريخ السوفييت بذريعة العِلم (1)

لقراءة الجزء الثاني من المقال: ليسنكو وفافيلوف (2) - هل دمَّرت أبحاث ليسنكو الزراعة السوفييتية؟

لقراءة الجزء الثالث من المقال: ليسنكو وفافيلوف (3) - التجميع الزراعي والمعركة مع الكولاك

لقراءة الجزء الخامس من المقال: ليسنكو وفافيلوف (5) – هل كان فافيلوف خائناً أم مظلوماً؟

 

 

 

 

معلومات إضافية

العدد رقم:
1172
آخر تعديل على الإثنين, 06 أيار 2024 17:53